أنت تتصفح النسخة النصية — بدون صور أو سكربتات
Emaratunaأبوظبي · تغيير

بعد 6 أيام في أبوظبي.. 10 أسئلة ستحدد شكل العدالة في السنوات المقبلة

المصدر: العين الإخبارية

بعد 6 أيام في أبوظبي.. 10 أسئلة ستحدد شكل العدالة في السنوات المقبلة

بعد ستة أيام من النقاشات التي جمعت وزراء وقضاة ومدعين عامين وخبراء ومؤسسات دولية من عشرات الدول، ينتهي مؤتمر الأمم المتحدة الخامس عشر لمنع الجريمة والعدالة الجنائية في أبوظبي، لكن الملفات التي ناقشها لا تنتهي بإغلاق قاعات المؤتمر.

فخلف «إعلان أبوظبي» الذي وضع أولويات العمل الدولي في منع الجريمة والعدالة وسيادة القانون خلال السنوات الخمس المقبلة، برزت أسئلة تتجاوز شكل الجريمة الحالية إلى شكل العدالة نفسها: هل يستطيع القاضي العمل مع الذكاء الاصطناعي من دون أن يفقد الإنسان موقعه في القرار؟ كيف تثبت المحكمة أن الدليل الرقمي حقيقي؟ ماذا يحدث عندما يكون الجاني في دولة والضحية في أخرى؟ وهل يمكن للعدالة أن تمنع الجريمة قبل وقوعها؟

هذه 10 أسئلة خرجت من أبوظبي لترافق العدالة الجنائية في السنوات المقبلة.

1. هل يصبح الذكاء الاصطناعي مساعدا للقاضي؟

لم يعد الذكاء الاصطناعي موضوعا مستقبليا داخل منظومة العدالة، بل بدأ يدخل بالفعل إلى مراحل من العمل القضائي.

خلال المؤتمر، عرضت وزارة العدل الإماراتية نموذجا يعتمد على خمسة وكلاء للذكاء الاصطناعي يعملون بصورة متتابعة في مراجعة ملفات القضايا، وتحليل الوقائع والأدلة، والبحث القانوني، وتلخيص الخيارات أمام القاضي، وإعداد مسودة أولية للحكم، مع بقاء المراجعة والتعديل والاعتماد النهائي بيد القاضي. وقالت الوزارة إن النموذج خفض وقت مراجعة ملفات القضايا من عدة أيام إلى ساعات.

لكن السؤال الذي سيظل مفتوحا هو حدود هذا الدور: هل يكون الذكاء الاصطناعي أداة بحث وتحليل فقط، أم يتحول تدريجيا إلى شريك في بناء القرار القضائي؟

إعلان أبوظبي وضع الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا ضمن أولوياته، مع التأكيد على الشفافية والمساءلة والإشراف البشري. وبالتالي، فإن السنوات المقبلة لن تختبر قدرة الآلة على العمل داخل المحكمة فقط، بل قدرة الأنظمة القانونية على وضع حدود واضحة لهذا العمل.

2. كيف تثبت المحكمة أن الدليل الرقمي حقيقي؟

إذا كان من الممكن اليوم استنساخ صوت شخص أو إنتاج صورة أو فيديو مقنع له باستخدام الذكاء الاصطناعي، فإن السؤال لم يعد فقط: ماذا يقول الدليل؟

السؤال أصبح: من أين جاء؟ وكيف أنتج؟ وهل تغير منذ إنشائه؟ ومن يستطيع إثبات سلامته؟

ظهر هذا التحدي بوضوح خلال جلسة محاكاة في المؤتمر تناولت قضية احتيال مالي باستخدام تقنية استنساخ الصوت، حيث فحص المشاركون الأدلة الرقمية وحاولوا الوصول إلى نتيجة بشأن التسجيلات والمعلومات المتاحة. وناقشت الجلسة تحديات انتحال الهوية واستنساخ الصوت والهويات المزيفة والهجمات السيبرانية.

وهذا يعني أن التحقيقات المقبلة ستحتاج إلى خبرات تتجاوز جمع الملفات الإلكترونية، لتشمل التحقق من أصلها وسلامتها وسياقها الرقمي.

الدليل الإلكتروني لن يكون مفيدا لمجرد وجوده؛ قيمته ستتوقف بصورة أكبر على القدرة على إثبات أنه لم يصنع أو يغير بطريقة تخدع المحكمة.

3. ماذا يحدث عندما يكون الجاني في دولة أخرى؟

الجريمة الرقمية جعلت الحدود أقل أهمية بالنسبة للجاني، لكنها لا تزال مهمة بالنسبة للمحقق.

قد يكون الضحية في دولة، والمحتال في دولة ثانية، والخادم الذي يحتوي على الأدلة في دولة ثالثة، والأموال في حسابات أو أصول موزعة على دول أخرى.

لهذا كان التعاون القضائي أحد الملفات المركزية في أبوظبي، من تبادل المعلومات والأدلة إلى المساعدة القانونية المتبادلة وتسليم المطلوبين.

وخلال المؤتمر، عرضت الإمارات تجربتها في تطوير التعاون القضائي الدولي، كما وقعت مذكرات تفاهم مع قطر والبحرين لتعزيز التعاون القانوني والقضائي وتبادل الخبرات.

المسألة التي ستحدد المستقبل هنا ليست عدد الاتفاقيات فقط، وإنما سرعة استخدامها عندما تكون القضية عاجلة، خصوصا في الجرائم الرقمية التي يمكن أن تختفي أدلتها أو تتحرك أموالها خلال ساعات.

4. هل تستطيع العدالة الوصول إلى الضحية قبل أن تضيع القضية؟

لم تعد الضحية مجرد طرف ينتظر نتيجة المحاكمة.

في أبوظبي، ارتبطت العدالة بحماية الضحايا والشهود والفئات الأكثر عرضة للخطر، وبإتاحة الوصول إلى العدالة، وبناء أنظمة أكثر استجابة لاحتياجات الأشخاص الذين تعرضوا للجريمة.

وتظهر أهمية هذا الاتجاه في قضايا العنف ضد النساء والأطفال والاتجار بالبشر، حيث قد تكون الضحية نفسها هي المصدر الأساسي للمعلومات التي تسمح بتفكيك الشبكة الإجرامية.

كما ناقش المؤتمر جمع الأدلة والبيانات المتعلقة بالعنف ضد النساء والأطفال في البيئة الرقمية، مع التركيز على تطوير استجابات مؤسسية قائمة على الأدلة وحماية الضحايا.

لذلك سيكون أحد اختبارات العدالة المقبلة قدرتها على حماية الضحية أثناء التحقيق، وليس فقط إنصافها بعد انتهاء القضية.

5. هل تصبح الوقاية أهم من ملاحقة الجاني؟

العدالة الجنائية التقليدية تبدأ غالبا بعد وقوع الجريمة: بلاغ، تحقيق، اتهام، محاكمة ثم عقوبة.

لكن أحد الاتجاهات الواضحة في مؤتمر أبوظبي كان الدفع نحو الوقاية القائمة على البيانات وتحليل المخاطر قبل تحولها إلى جرائم.

وناقش المؤتمر تطوير أنظمة لجمع وتحليل البيانات تساعد على توقع المخاطر، مع التأكيد على حماية الخصوصية والاستخدام المسؤول للتكنولوجيا. كما تناولت جلساته دور التعليم والأسرة والمجتمع والشباب في الوقاية من الجريمة.

وهنا يظهر سؤال حساس: إلى أي مدى يمكن استخدام البيانات للتنبؤ بمناطق الخطر أو أنماط الجريمة، من دون تحويل التوقع إلى اتهام مسبق؟

الإجابة ستحدد شكل الوقاية في السنوات المقبلة، لأن الانتقال من ملاحقة الجريمة إلى استباقها يحتاج إلى توازن دقيق بين الأمن والحقوق.

6. ماذا يحدث عندما تتحول البيئة إلى مسرح للجريمة المنظمة؟

دخلت الجرائم البيئية بقوة إلى أجندة مؤتمر أبوظبي، مع مناقشة تهريب النفايات، والجرائم المرتبطة بالحياة البرية، والموارد الطبيعية، والمعادن الحيوية، والجرائم الاقتصادية المرتبطة بالبيئة.

المشكلة أن بعض هذه الجرائم لا تعمل بصورة منفردة؛ فقد تتقاطع مع التهريب وغسل الأموال وشبكات الجريمة المنظمة.

ولهذا لم يعد التعامل معها شأنا بيئيا فقط، بل أصبح يحتاج إلى تحقيقات جنائية ومالية وتعاون بين سلطات الجمارك والشرطة والنيابات والجهات التنظيمية.

والسؤال في السنوات المقبلة سيكون: هل تستطيع القوانين والمؤسسات التعامل مع الجريمة البيئية باعتبارها نشاطا إجراميا منظما عندما تكون الأرباح والشبكات والضحايا موزعة عبر أكثر من دولة؟

7. هل يستطيع القانون ملاحقة الاحتيال أسرع من الذكاء الاصطناعي؟

الاحتيال الإلكتروني لم يعد مجرد رسائل مشبوهة أو مكالمات عشوائية.

أدوات الذكاء الاصطناعي تستطيع إنتاج أصوات وصور ومحتوى أكثر إقناعا، بينما تعمل بعض الشبكات على نطاق واسع وعبر دول متعددة.

وناقش المؤتمر الاحتيال المدعوم بالتكنولوجيا، ومراكز الاحتيال، والشبكات المنظمة، إلى جانب الحاجة إلى تعزيز قدرات التحقيق وتبادل المعلومات والأدلة.

وهنا يبرز سباق جديد: إذا كانت أدوات الجريمة تتطور خلال أشهر أو أسابيع، بينما تحتاج التشريعات إلى سنوات، فكيف تستطيع العدالة أن تغلق الفجوة؟

أحد الإجابات التي ظهرت في أبوظبي هو بناء قوانين ومؤسسات أكثر قدرة على التعامل مع السلوك الإجرامي الجديد، بدلا من انتظار ظهور كل تقنية ثم صياغة استجابة منفصلة لها.

8. ماذا سيحدث للسجون والعقوبات؟

لم يكن مستقبل العدالة في أبوظبي مرتبطا بالتكنولوجيا فقط.

فالمؤتمر ناقش كذلك بدائل الاحتجاز، ومعايير معاملة السجناء، وإعادة التأهيل والاندماج، وأوضاع النساء داخل المؤسسات العقابية، إلى جانب تنفيذ قواعد بانكوك الخاصة بالنساء السجينات والتدابير غير الاحتجازية للنساء المخالفات.

وهذا يعيد طرح سؤال قديم بصيغة جديدة: ما الهدف من العقوبة؟

هل يكفي عزل الجاني عن المجتمع، أم ينبغي أن تكون العدالة أيضا قادرة على تقليل احتمال عودته إلى الجريمة؟

مناقشة إعادة التأهيل وتقليل العودة إلى الجريمة تشير إلى أن مستقبل العدالة لن يقاس فقط بعدد الأشخاص الذين تتم إدانتهم، وإنما كذلك بما يحدث بعد انتهاء العقوبة.

9. كيف تحمي العدالة الأطفال في عالم رقمي؟

الأطفال ظهروا في أكثر من مسار داخل المؤتمر، سواء في الوقاية من الجريمة أو مكافحة الاستغلال أو تطوير العدالة المراعية للطفل.

وتزداد المسألة تعقيدا مع انتقال جزء كبير من حياة الأطفال إلى البيئة الرقمية، حيث يمكن أن يبدأ الاستغلال من حساب مجهول أو لعبة أو منصة تواصل، بينما يصعب أحيانا على الأسرة اكتشاف الخطر في بدايته.

ولهذا وضع إعلان أبوظبي الأطفال ضمن أولوياته، إلى جانب تعزيز العدالة المراعية لاحتياجاتهم وحمايتهم من الاستغلال والعنف. كما ناقش المؤتمر دور الأسرة والمدرسة والمجتمع في الوقاية من جنوح الأحداث.

السؤال المستقبلي هنا ليس فقط كيف نعاقب من يستغل طفلا، وإنما كيف نكتشف الخطر مبكرا، وكيف نحمي الطفل من دون أن يتحول ذلك إلى مراقبة دائمة لحياته الرقمية.

10. من سيحاسب إذا أخطأت التكنولوجيا؟

هذا ربما يكون السؤال الذي يجمع كل الأسئلة السابقة.

إذا استخدمت الشرطة نظاما ذكيا لتحليل البيانات، واستخدمت النيابة أداة رقمية، واعتمد القاضي على تحليل قدمه نظام ذكاء اصطناعي، ثم ظهر أن البيانات ناقصة أو النتيجة خاطئة، فمن يتحمل المسؤولية؟

مؤتمر أبوظبي لم يقدم إجابة تقنية واحدة، لكنه وضع مبادئ واضحة حول المسؤولية والشفافية والرقابة البشرية والاستخدام المسؤول للتكنولوجيا. كما ظهرت في المؤتمر نماذج عملية تحافظ على القرار القضائي النهائي بيد الإنسان، حتى مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي في مراحل العمل السابقة عليه.

وهذا يعني أن مستقبل العدالة لن تحدده قوة التكنولوجيا وحدها، وإنما القواعد التي تحكم استخدامها.

من أبوظبي تبدأ مرحلة الاختبار

ربما تكون أهم نتيجة لمؤتمر الأمم المتحدة الخامس عشر لمنع الجريمة والعدالة الجنائية أن العدالة لم تعد تناقش الجريمة باعتبارها واقعة منفصلة، وإنما باعتبارها منظومة تتداخل فيها التكنولوجيا والمال والحدود والبيئة والمجتمع.

«إعلان أبوظبي» وضع أربعة محاور للعمل خلال السنوات الخمس المقبلة: الوقاية والقدرة على الصمود، العدالة وسيادة القانون، الجرائم المتطورة والمتقاربة، ثم الابتكار والتعاون. كما دعا إلى تحويل التوافق الدولي إلى سياسات والتزامات وشراكات قابلة للتنفيذ والقياس.

لكن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد انتهاء المؤتمر.

فنجاح هذه الرؤية يقاس ببقدرة الدول على تطوير تشريعاتها، وتسريع التعاون القضائي، وحماية الأدلة الرقمية، واستخدام الذكاء الاصطناعي بمسؤولية، والوصول إلى الضحايا، ومنع الجريمة قبل وقوعها، وبناء أنظمة عدالة تستطيع التعامل مع جريمة قد لا تشبه ما عرفه العالم اليوم.

التعليقات