أنت تتصفح النسخة النصية — بدون صور أو سكربتات
Emaratunaأبوظبي · تغيير

ديميتري بريجع يكتب: قهوة بالهيل على بعد خطوات من الكرملين.. أبوظبي تفتح أوسع نوافذها على روسيا

المصدر: المصري اليوم

ديميتري بريجع يكتب: قهوة بالهيل على بعد خطوات من الكرملين.. أبوظبي تفتح أوسع نوافذها على روسيا

أقيم مهرجان «طريقك إلى اكتشاف أبوظبى» فى ساحة مانيجنايا خلال العام الذى يحتفل فيه البلدان بمرور خمسة وخمسين عاما على إقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما، مجسدا قناعة إماراتية راسخة بأن الثقافة أمتن الجسور بين الشعوب وأكثرها بقاء.

فى التاسع عشر من أغسطس/آب، تحولت ساحة مانيجنايا فى قلب موسكو إلى امتداد لأبوظبى. رجال بالكندورة البيضاء يقفون وعلى أذرعهم صقور، وطوابير من سكان العاصمة الروسية تنتظر دورها فى نقش الحناء، ورائحة القهوة العربية بالهيل تتسرب من خيمة تقدمها مع التمر، وفقا لطقوس الضيافة الإماراتية الأصيلة. وعلى المسرح الرئيسى، كانت فرقة من عشرين راقصا تؤدى العيالة بالعصى على إيقاع الطبول، وإلى جانبها روبوت يرتدى الزى الإماراتى ويؤدى الرقصة نفسها بإتقان.

يلخص هذا المشهد الأخير الرسالة كلها: تراث محفوظ بعناية، وتقنية متقدمة توضع فى خدمته. إنها المعادلة التى جعلت أبوظبى واحدة من أنجح نماذج التنمية فى العالم، وهى المعادلة نفسها التى حملتها معها إلى موسكو.

خمسة أيام فى واحدة من أكثر ساحات روسيا رمزية

أقيم مهرجان «طريقك إلى اكتشاف أبوظبي» بين التاسع عشر والثالث والعشرين من أغسطس/آب ٢٠٢٦، بتنظيم دائرة الثقافة والسياحة فى أبوظبى، وسفارة دولة الإمارات لدى الاتحاد الروسى، وحكومة موسكو، ضمن برنامج «صيف موسكو» الذى يشرف عليه عمدة المدينة. وكان الدخول مجانيا للجميع من العاشرة صباحا حتى التاسعة مساء. وحضر الافتتاح سفير الدولة لدى روسيا محمد أحمد الجابر، الذى وصف الحدث بأنه تجسيد واضح لمتانة الروابط الودية والتفاعل الاستراتيجى بين البلدين.

كان اختيار المكان فى ذاته رسالة تقدير متبادل؛ فمانيجنايا تقع على بعد خطوات من الميدان الأحمر وأسوار الكرملين، وهى واحدة من أكثر المساحات العامة رمزية فى روسيا، ولا تتاح لأى شريك. ورفع أعلام الإمارات وروسيا فوق هذه الساحة خمسة أيام متصلة يعنى أن العلاقة بلغت مستوى من الثقة يسمح بحضور إماراتى فى واحد من أكثر مواقع العاصمة حساسية ورمزية.

ولم تكن هذه أول تجربة ناجحة؛ ففى يونيو/حزيران ٢٠٢٤، استضافت الساحة ذاتها «أيام الثقافة الإماراتية»، واستقبلت أربعين ألف زائر فى يوم الافتتاح وحده، ونحو ربع مليون زائر خلال خمسة أيام. وبنت نسخة ٢٠٢٦ على ذلك النجاح وطورته، فانتقلت من عرض تعريفى عام إلى تقديم إمارة بعينها بوصفها وجهة عالمية متكاملة، بقيادة دائرة الثقافة والسياحة فى أبوظبى بصفتها الجهة المنظمة.

علاقة تنضج على جميع المستويات

لم يأت المهرجان من فراغ، بل توج مسارا صاعدا فى العلاقات الثنائية. فقد سجل التبادل التجارى بين البلدين رقما تاريخيا تجاوز اثنى عشر مليار دولار عام ٢٠٢٥، ودخلت الإمارات قائمة أكبر عشرة شركاء تجاريين لروسيا. أما تجارة الخدمات، فنمت خلال خمس سنوات بنحو سبعة أضعاف، حتى أصبحت تفوق تجارة السلع، وهو مؤشر على انتقال العلاقة من تبادل البضائع إلى تشابك اقتصادى أعمق يشمل السياحة والنقل والتمويل والاستشارات.

انعكس هذا الزخم فى حضور إماراتى رفيع داخل روسيا. فقد شاركت الدولة فى منتدى بطرسبرغ الاقتصادى الدولى لعام ٢٠٢٦ بوفد ضم مئة وسبعة أعضاء، برئاسة وزير الاقتصاد والسياحة عبدالله بن طوق المرى، وشمل ممثلين عن الوزارات والشركات الخاصة والاتحادات التجارية. ووجهت الدعوة إلى الجانب الإماراتى للمشاركة فى المنتدى الاقتصادى الشرقى، إلى جانب بحث المشاركة فى منتدى «يوم الصقر» الذى يقام على هامشه، فى تقدير روسى واضح لمكانة الصقارة فى التراث الإماراتى، ودور الدولة فى حماية الصقور النادرة عالميا.

وفى مجال الربط الجوى، أظهر الطيران الإماراتى مرونة لافتة خلال الاضطرابات الإقليمية فى ربيع ٢٠٢٦؛ إذ عادت الناقلة الوطنية الإماراتية إلى موسكو وسانت بطرسبرغ فى السادس من مارس (آذار)، خلال أيام معدودة. وتتسارع حاليا عودة الشبكة إلى كامل طاقتها، مع استئناف الرحلات المباشرة بين موسكو وأبوظبى مطلع أكتوبر/تشرين الأول، وعودة ناقلة روسية اقتصادية إلى الخط فى سبتمبر/أيلول. وبذلك، جاء المهرجان ليمهد لموسم سياحى جديد بين البلدين، ويجدد الشوق إليه قبل أسابيع من انطلاقه.

حين تكون الثقافة أمتن الجسور

تتعامل أبوظبى مع الدبلوماسية الثقافية بوصفها مسارا استراتيجيا مستقلا، له مؤسساته وميزانياته، وليس نشاطا تكميليا. وهذا ما عبر عنه رئيس دائرة الثقافة والسياحة، محمد خليفة المبارك، حين وصف الثقافة بأنها أمتن جسر بين الشعوب، ولبنة أساسية فى بناء المجتمعات المتطلعة إلى المستقبل.

تكمن قوة هذا النهج فى اعتماده على التجربة لا الخطاب. فالزائر الروسى الذى تذوق القهوة بالهيل، وجلس أمام حرفى يعلمه حياكة سعف النخيل، وخرج بقطعة فخار صنعها بيده، يبنى علاقة شخصية بالمكان يصعب على أى حملة إعلامية أن توازيها. كما وسعت مجانية الدخول فى قلب الساحة العامة نطاق هذه التجربة، لتشمل عائلات وطلابا ومارة لم يكونوا يخططون لزيارة المهرجان، فخرجوا منه بصورة حية ودافئة عن الإمارات. وأضاف الحضور الفنى الإماراتى بعدا وجدانيا إلى الحدث، مع مشاركة الفنان الإماراتى فايز السعيد، الذى عبر عن سعادته بأن يكون جزءا من فعالية تعزز العلاقات بين البلدين، ووصف الميدان الأحمر بأنه أحد أهم المعالم فى روسيا. وتصنع مثل هذه العبارات المتبادلة فى وجدان الجمهور ما لا تصنعه البيانات الرسمية.

أبوظبى كما قدمت نفسها

عكست بنية المهرجان استراتيجية أبوظبى فى بناء علامتها العالمية. ففى «بيت الحرفيين»، عرضت حرف التلى والخوص والسدو وصناعة الفخار من خلال ورش تفاعلية. وفى «بيت القهوة»، قدمت طقوس الضيافة كما تمارس فى المجلس الإماراتى. أما «الجناح البحري»، فاستعرض صناعة الحبال وأدوات الغوص بحثا عن اللؤلؤ وشباك الصيد والقراقير، احتفاء بإرث بحرى عريق.

بعد ذلك، انتقل الزائر إلى القبة الغامرة لمشاهدة عروض بانورامية بزاوية ثلاثمئة وستين درجة لمعالم الإمارة المعاصرة. أما المائدة، فقدمت المضروبة والدنقو والهريس، وحلويات اللقيمات والرنجينة، إلى جانب التمور الطازجة والعطور الإماراتية والمنتجات التراثية.

هذا الانتقال السلس من الحرفة إلى الشاشة هو جوهر النموذج الإماراتى: مجتمع يعرف من أين أتى، ويبنى مستقبله من دون أن يفرط فى هويته.

وتؤكد الأرقام نجاح هذا التموضع. فقد استقبلت أبوظبى ٢٦.٦ مليون زائر عام ٢٠٢٥، وهو رقم قياسى، وبلغت إيرادات الفنادق ٩.١ مليار درهم، بنمو يقارب عشرين بالمئة، فيما وصلت نسبة الإشغال إلى ٨١ بالمئة. وارتفع عدد المشاركين فى الاجتماعات والمعارض بنسبة أربعين بالمئة، ليصل إلى ٢.٢ مليون شخص، كما نما حضور الفعاليات الثقافية والترفيهية بنسبة عشرين بالمئة، ليبلغ ٤.٢ مليون.

وذكرت دائرة الثقافة والسياحة أن روسيا تعد من أبرز أسواقها التى تسجل نموا بنسب ثنائية الرقم، وأن الزوار الروس حققوا أطول متوسط إقامة بين الأسواق الكبرى، بنحو ٤.٣ ليلة، وهو مؤشر على ارتباط عميق بالوجهة، لا مجرد زيارة عابرة.

وتواصل الإمارة توسيع بنيتها الثقافية بوتيرة نادرة عالميا. فالمنطقة الثقافية فى السعديات تضم اللوفر أبوظبى، ومتحف زايد الوطنى، ومتحف التاريخ الطبيعى، وتيم لاب فينومينا، وبيت العائلة الإبراهيمية، ومنارة السعديات. وينضم إليها غوغنهايم أبوظبى، الذى يفتح أبوابه فى الحادى عشر من ديسمبر/كانون الأول ٢٠٢٦، بتصميم فرانك غيرى، وثلاثين صالة عرض، وقبة مركزية، وعشرة أقماع نحتية تميز صورته الخارجية. وبذلك، تصبح السعديات واحدة من أكبر تجمعات المؤسسات الثقافية فى العالم.

القهوة والعيالة والبحر.. لغة القيم

لم تكن العناصر التى حضرت فى مانيجنايا مجرد زينة احتفالية، بل عكست منظومة متكاملة من القيم. فالقهوة فى المجلس بروتوكول ضيافة كامل يعبر عن الكرم والاحترام، وينظم العلاقة بين المضيف والضيف. أما العيالة، المدرجة على قائمة اليونسكو التمثيلية للتراث الثقافى غير المادى للبشرية، فهى فن جماعى يقوم على صفين متقابلين وإيقاع مشترك، ويحمل ذاكرة التماسك الاجتماعى والتضامن.

ويروى الجناح البحرى قصة مجتمع بنى اقتصاده وطور مهاراته قبل ظهور النفط بزمن طويل، ما يمنح الحاضر الإماراتى عمقا تاريخيا يعتز به.

ويعنى تقديم هذه الرموز إلى الجمهور الروسى دعوته إلى فهم الإمارات من الداخل: بلد الضيافة والانتماء والذاكرة، قبل أن يكون بلد الأبراج والفنادق.

جمهور روسى يعرف الطريق

تحول الاهتمام الروسى بالإمارات إلى حقيقة راسخة؛ فقد أصبحت الدولة ثانى أكثر الوجهات الخارجية استقبالا للروس المسافرين بغرض السياحة عام ٢٠٢٥، وتجاوز عدد الرحلات إليها بمختلف الأغراض مليونين وثلاثمئة ألف رحلة، بنمو فاق ثمانية عشر بالمئة.

وفى الاتجاه المقابل، دخلت الإمارات قائمة أبرز الأسواق المصدرة للزوار إلى موسكو، بعدما كانت خارج المراكز العشرين الأولى قبل عام ٢٠٢٠. وزار العاصمة الروسية أكثر من اثنين وأربعين ألف مسافر إماراتى عام ٢٠٢٣ وحده، بزيادة بلغت ثمانية أضعاف مقارنة بالعام السابق. ويشكل الشرق الأوسط حاليا نحو تسعة وعشرين بالمئة من الرحلات الوافدة إلى موسكو من خارج فضاء الاتحاد السوفيتى السابق.

إنه جمهور يعرف الوجهة ويثق بها. كما وفرت المنطقة السياحية داخل المهرجان، التى التقى فيها الزوار بمنظمى الرحلات، جسرا عمليا بين الإعجاب بالوجهة وحجز الرحلة إليها.

من مهرجان إلى شراكة دائمة

الأفق المفتوح أمام البلدين واسع؛ فبرامج تبادل المعارض بين المتاحف الإماراتية والروسية، وإقامات الفنانين، والتعاون الجامعى والبحثى، والمسارات السياحية التى تربط أبوظبى بمدن روسية إضافية، كلها مجالات جاهزة للتفعيل. كما تجرى نقاشات لتوسيع الحضور الجامعى الروسى فى أبوظبى، بما يضيف بعدا تعليميا إلى العلاقة.

ويوفر ديسمبر/كانون الأول ٢٠٢٦ لحظة استثنائية، مع افتتاح غوغنهايم أبوظبى، وحلول الذكرى الخامسة والخمسين لإقامة العلاقات الدبلوماسية فى الشهر نفسه. ويستحق هذا التزامن أن يستثمر فى إطلاق برنامج ثقافى ثنائى متعدد السنوات، يحول الحماس الحالى إلى بنية مستمرة.

الاستنتاجات

كان مهرجان «طريقك إلى اكتشاف أبوظبي» نجاحا واضحا من حيث التوقيت والمكان والمضمون. فقد قدمت أبوظبى نفسها إلى الجمهور الروسى، على مدى خمسة أيام وبدخول مجانى، فى واحدة من أكثر ساحات موسكو رمزية، من خلال برنامج يجمع الحرفة والفن والمائدة والتقنية، بصورة حية ومباشرة يصعب على أى وسيلة أخرى إنتاجها.

تحتل أبوظبى موقعا متقدما فى الدبلوماسية الثقافية الإماراتية؛ فهى العاصمة السياسية للدولة، وفى الوقت ذاته وجهة ثقافية وسياحية عالمية تملك رصيدا متحفيا وفنيا يتوسع عاما بعد آخر، وتستخدمه بذكاء فى التعريف بنفسها وبالدولة.

يعكس الحدث نضجا فى العلاقات الإماراتية-الروسية، التى انتقلت من ملفات السياسة والتجارة والطاقة إلى فضاء مجتمعى أرحب، يشمل الثقافة والسياحة والتعليم والتواصل الإنسانى المباشر بين الشعبين.

وتبدو الفرص المقبلة كبيرة وقابلة للتنفيذ الفورى، وتشمل شراكات متحفية وبحثية، وبرامج لغوية وإعلامية، وتوسيع الربط الجوى ليشمل مدنا روسية جديدة، إلى جانب تنسيق أوثق بين مؤسسات السياحة فى البلدين، بالتزامن مع الذكرى الخامسة والخمسين لإقامة العلاقات الدبلوماسية.

ويظل شرط تحويل هذا الزخم إلى شراكة مستدامة هو انتقال الملف من إدارة الفعاليات إلى إدارة العلاقات، من خلال تقويم سنوى معلن، وجهة تنسيق دائمة تضمن استمرار التواصل بين المواسم.

ويبقى الدرس الأهم أن الإمارات اختارت مخاطبة الشعوب، لا الحكومات وحدها، وأن تقدم نفسها من خلال الكرم والفن والحرفة قبل الأرقام. وهذا الاختيار هو ما يمنح علاقتها بروسيا عمقا إنسانيا يتجاوز الاتفاقيات، ويجعلها قابلة للنمو فى مختلف الظروف.

*باحث ومدير وحدة الدراسات الروسية فى مركز الدراسات العربية الأوراسية

ينشر بالتعاون مع مركز الدراسات العربية الأوراسية

التعليقات