هيروشي هيراغوتشي.. خمس سنوات «من كيوتو إلى أبوظبي»
حين وقف هيروشي هيراغوتشي في افتتاح مؤتمر الأمم المتحدة الخامس عشر لمنع الجريمة والعدالة الجنائية في أبوظبي، لم يكن يحمل فقط صفة وزير العدل الياباني، وإنما كان يحمل ذاكرة الدورة السابقة للمؤتمر التي استضافتها بلاده في كيوتو عام 2021.
كان هيراغوتشي رئيس مؤتمر كيوتو الرابع عشر، ولذلك بدا حضوره في أبوظبي جزءا من قصة أكبر من انتقال الاستضافة بين دولتين. اليابان جاءت إلى العاصمة الإماراتية لتعرض ما أنجزته منذ كيوتو وتسلم إرث المؤتمر إلى الدولة المضيفة الجديدة، بينما كانت الإمارات تفتح دورة مختلفة في طبيعة القضايا التي يناقشها المجتمع الدولي، وفي الأدوات التي يحتاجها لمواجهة الجريمة. وتولت الإمارات بالفعل تنظيم عملية الانتقال، التي جسدها فيلم «من كيوتو إلى أبوظبي» خلال حفل الافتتاح، قبل تبادل الهدايا التذكارية بين الجانبين.
خلال خمس سنوات فقط، تغيرت البيئة التي تتحرك فيها الجريمة بصورة لافتة. بعض الملفات التي كانت تظهر بوصفها تحديات ناشئة أصبحت اليوم في صميم عمل أجهزة الشرطة والنيابات والمحاكم، بينما ظهرت مسارات جديدة لم تكن تحتل المساحة نفسها في النقاش الدولي، من الاحتيال المدعوم بالذكاء الاصطناعي إلى الجرائم المرتبطة بالأصول الرقمية، ومن استغلال المنصات الإلكترونية إلى الجرائم البيئية وتدفقات الأموال العابرة للحدود.وهنا تصبح سيرة هيراغوتشي مدخلا لفهم المسافة التي قطعها العالم بين كيوتو وأبوظبي.
رجل جاء من الإدارة والأمن
ولد هيراغوتشي في مدينة إيتاجيما بمحافظة هيروشيما عام 1948، وتخرج في كلية الحقوق بجامعة طوكيو عام 1972، لكنه لم يبدأ حياته المهنية داخل وزارة العدل.
عمل في وزارة الإنشاءات اليابانية، ثم انتقل إلى حكومة محافظة توتوري، وعمل كذلك في شرطة محافظة أكيتا، قبل أن تتسع خبرته الحكومية إلى مجالات التخطيط والإدارة العامة. كما درس التخطيط الإقليمي في جامعة بنسلفانيا الأمريكية وحصل على درجة الماجستير فيه.
هذه الخلفية جعلت مساره مختلفا عن صورة رجل القانون الذي يقضي حياته داخل المؤسسات القضائية وحدها؛ فقد جمع بين الإدارة الحكومية والعمل الأمني والتخطيط والسياسة العامة، ثم انتقل إلى البرلمان حيث أصبح عضوا في مجلس النواب الياباني منذ 2005، وتولى رئاسة عدد من اللجان البرلمانية.
وزارة العدل ليست محطته الأولى
ارتبط هيراغوتشي بوزارة العدل قبل أن يتولى حقيبتها. فقد شغل منصب نائب الوزير البرلماني للعدل عام 2013، ثم أصبح وزير دولة للعدل عام 2018، قبل أن يعود إلى الوزارة وزيرا للعدل في أكتوبر 2025.
وبين هذه المحطات، تولى أيضا منصب وزير دولة للبيئة، وهو تفصيل اكتسب أهمية إضافية في أبوظبي، حيث أصبحت الجرائم البيئية أحد الملفات التي يتعامل معها المؤتمر باعتبارها قضية مرتبطة بالجريمة المنظمة وتدفقات الأموال، وليس مجرد انتهاك بيئي منفصل.
وفي الوقت نفسه، يحمل هيراغوتشي خبرة برلمانية طويلة؛ فقد انتخب عضوا في مجلس النواب سبع مرات، وتولى مسؤوليات في لجان بينها الشؤون القضائية والزراعة والغابات والثروة السمكية.
كيوتو كانت نقطة تحول
عندما استضافت اليابان مؤتمر الأمم المتحدة الرابع عشر في كيوتو عام 2021، كان العالم يناقش بالفعل تصاعد الجريمة المنظمة العابرة للحدود واستغلال الإنترنت والتكنولوجيا الجديدة في ارتكاب الجرائم.
وأقر المؤتمر «إعلان كيوتو» الذي حذر من أن الجريمة أصبحت أكثر تعقيدا وتنظيما وعابرة للحدود، وأن المجرمين يستغلون التقنيات الجديدة والإنترنت لتنفيذ أنشطتهم، بما يخلق تحديات أمام مواجهة الجرائم القائمة وظهور أشكال جديدة منها.
لكن إعلان كيوتو لم يتعامل مع التكنولوجيا باعتبارها تهديدا فقط؛ فقد تناول أيضا تحديث إحصاءات الجريمة، واستخدام البيانات والأدوات الرقمية في صنع السياسات، وحماية ضحايا الجريمة والشهود، وتمكين الشباب، وتقليل العودة إلى الجريمة، وتعزيز التعاون الدولي وسيادة القانون.
كانت تلك نقطة مهمة: العدالة بدأت تتحول من منظومة تستجيب للجريمة بعد وقوعها إلى منظومة تحتاج إلى البيانات والتكنولوجيا والوقاية لفهمها قبل أن تتسع.
خمس سنوات غيرت المشهد
بين كيوتو وأبوظبي، تسارعت التكنولوجيا بصورة جعلت بعض المخاوف التي كانت تبدو مستقبلية أقرب إلى الواقع اليومي.
الذكاء الاصطناعي بات قادرا على إنتاج محتوى مزيف مقنع، وتوسيع عمليات الاحتيال، وأتمتة محاولات استهداف الضحايا. والمنصات الرقمية أصبحت بيئة للجريمة المنظمة، بينما أضافت الأصول الافتراضية مسارات جديدة لحركة الأموال.
وفي المقابل، أصبحت الهجمات الإلكترونية والاحتيال الرقمي وتجارة البيانات والجرائم المرتبطة بالبنية التحتية الرقمية جزءا من منظومة العدالة الجنائية التي تحتاج إلى أدوات تحقيق مختلفة، وخبرات تقنية، وتعاونا بين دول قد توجد فيها الأدلة والضحايا والمتهمون والأموال في الوقت نفسه.
ولهذا جاء مؤتمر أبوظبي في بيئة مختلفة عن تلك التي أحاطت بمؤتمر كيوتو.
وزارة العدل اليابانية نفسها تضع في عرضها الرسمي للمؤتمر ثلاثة محاور رئيسية لجهود اليابان منذ كيوتو: تمكين الشباب، والحد من العودة إلى الجريمة، والتعامل مع التهديدات المتطورة من خلال سيادة القانون.
الجريمة أصبحت أكثر اتصالا
لكن التحول لم يقتصر على التكنولوجيا. في مؤتمر أبوظبي، حضرت الجريمة المنظمة والاتجار بالبشر والمخدرات والأسلحة والفساد وغسل الأموال وتمويل الإرهاب والجرائم البيئية والاحتيال الإلكتروني في مساحة واحدة، لأن الواقع نفسه لم يعد يسمح بفصلها بسهولة.
الشبكة التي تستطيع تهريب المخدرات عبر الحدود تستطيع استخدام قنوات مالية مشابهة لغسل العائدات، والشبكات التي تستغل الموارد الطبيعية يمكن أن ترتبط بأنشطة إجرامية أخرى، بينما تتيح الأدوات الرقمية نقل الأموال والمعلومات والأوامر بسرعة تفوق كثيرا قدرة الحدود التقليدية على اعتراضها.
ولهذا ناقش المؤتمر في يومه الأول تعزيز التعاون القضائي الدولي، وتبادل الأدلة والمعلومات، والمساعدة القانونية المتبادلة، وبناء شراكات قادرة على مواجهة الجريمة المنظمة العابرة للحدود.
البيئة دخلت قلب العدالة
ومن أبرز التحولات التي برزت في أبوظبي اتساع مفهوم الجريمة البيئية. لم يعد الأمر مقتصرا على قطع الأشجار أو الاتجار بالحياة البرية؛ فالتعدين غير القانوني، وتهريب الوقود، والاستيلاء غير المشروع على الأراضي، والاتجار بالموارد الطبيعية يمكن أن تتحول إلى مصادر تمويل لشبكات منظمة.
وهنا تلتقي البيئة مع التحقيق المالي: من استولى على المورد؟ من نقله؟ من اشتراه؟ أين ذهبت الأموال؟ وكيف جرى إخفاء عائداتها؟
هذه الأسئلة تفسر لماذا أصبحت الجرائم البيئية حاضرة إلى جانب غسل الأموال والجريمة المنظمة في أجندة مؤتمر أبوظبي، ولماذا يحتاج التعامل معها إلى أجهزة أمنية وقضائية ومالية تعمل معا.
الضحية لم تعد مجرد رقم
هناك تحول آخر لا يقل أهمية يتعلق بمفهوم العدالة نفسه. إعلان كيوتو ركز على حقوق الضحايا وحماية الشهود والوصول إلى العدالة، لكن السنوات التالية أظهرت أن التحول الرقمي يمكن أن يخلق ضحايا على نطاق واسع وبسرعة غير مسبوقة.
الاحتيال الإلكتروني، سرقة البيانات، انتحال الهوية، الابتزاز الرقمي، والاستغلال عبر المنصات يمكن أن يصل إلى أعداد كبيرة من الضحايا من دون أن يضطر الجاني إلى الاقتراب منهم جسديا.
وهذا يفرض على العدالة سؤالا جديدا: كيف يمكن حماية الضحية في عالم قد لا يعرف فيه الضحية هوية الجاني، وقد تكون الأدلة في دولة أخرى، وقد تكون الأموال قد انتقلت عبر عدة أنظمة مالية خلال دقائق؟
الذكاء الاصطناعي داخل المحكمة
وهنا تظهر واحدة من أكثر نقاط الاختلاف وضوحا بين أجواء كيوتو وأبوظبي. في 2021 كان الحديث عن التكنولوجيا الجديدة جزءا من نقاش أوسع حول تطور الجريمة. أما في 2026، فقد أصبح الذكاء الاصطناعي نفسه موضوعا مستقلا للعدالة الجنائية: كيف تستخدمه أجهزة إنفاذ القانون؟ كيف تمنع إساءة استخدامه؟ كيف تضمن أن الأدوات الرقمية لا تمس الحقوق الأساسية؟ وكيف يحافظ القاضي والمحقق والنيابة على الرقابة البشرية؟
وفي أبوظبي، وضعت الإمارات الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي داخل إطار أوسع يربط الابتكار بسيادة القانون وحقوق الإنسان والخصوصية والشفافية والمساءلة والرقابة البشرية.
وهذا ليس تفصيلا تقنيا؛ لأن استخدام الذكاء الاصطناعي في العدالة يفتح أسئلة تتعلق بالأدلة والتنبؤ بالمخاطر وتحليل البيانات واتخاذ القرار، وهي مسائل تحتاج إلى قواعد واضحة قبل أن تتحول التكنولوجيا إلى سلطة غير قابلة للمراجعة.
الإمارات ترفع سقف المؤتمر
هنا تحديدا تبدو خصوصية أبوظبي في هذه الدورة. فالإمارات لم تتعامل مع المؤتمر باعتباره مناسبة لاستقبال الوفود وإدارة الجلسات فقط، وإنما بنت حوله آليات تستهدف نقل النقاش الدولي إلى مرحلة التنفيذ.
في اليوم الأول، اعتمد المؤتمر «إعلان أبوظبي» بوصفه الوثيقة الرئيسية التي تحدد اتجاه العمل الدولي في منع الجريمة والعدالة الجنائية وسيادة القانون خلال السنوات الخمس المقبلة، مع التركيز على تحويل التوافق الدولي إلى سياسات والتزامات وشراكات قابلة للتطبيق.
كما أطلقت الإمارات منصة «Pledge4Justice» لتحويل الالتزامات السياسية إلى مبادرات عملية، وأعلنت تعهدا يصل إلى 5 ملايين دولار، بواقع ما يصل إلى مليون دولار سنويا خلال الفترة من 2026 إلى 2031، لدعم الجهود الدولية في تطوير أنظمة العدالة وبناء القدرات وتنفيذ مخرجات المؤتمر.
وهنا تكمن إحدى نقاط قوة التجربة الإماراتية في استضافة المؤتمر: أنها لم تكتف بوضع القضايا الجديدة على جدول النقاش، بل حاولت أن تضع آلية لمتابعة ما سيخرج به المؤتمر بعد مغادرة الوفود أبوظبي.
إعلان أبوظبي يوسع دائرة كيوتو
إعلان أبوظبي لم يأت ليقطع مع إعلان كيوتو، بل ليبني عليه. الدورة الجديدة تنطلق من الأسس التي أرستها كيوتو، لكنها تضيف إلى المشهد التحولات التي فرضتها السنوات الخمس الماضية: التكنولوجيا الرقمية، الذكاء الاصطناعي، أشكال الجريمة المتغيرة، التحديات البيئية، والتطور السريع في الاقتصاد والجريمة العابرة للحدود.
ولهذا جاء عنوان المؤتمر نفسه أكثر اتساعا: تسريع منع الجريمة والعدالة الجنائية وسيادة القانون مع حماية الإنسان والكوكب وتحقيق أهداف التنمية المستدامة في العصر الرقمي.
العنوان هنا ليس مجرد صياغة دبلوماسية؛ فهو يلخص المسافة التي قطعتها أجندة المؤتمر خلال خمس سنوات.
هيراغوتشي شاهد على التحول
لهذا يصبح وجود هيروشي هيراغوتشي في أبوظبي أكثر من مشهد بروتوكولي. الرجل الذي قاد مؤتمر كيوتو يعود بعد خمس سنوات إلى المنصة نفسها تقريبا، لكنه يجد أمامه عالما مختلفا: جرائم أسرع، شبكات أكثر عابرة للحدود، بيانات أصبحت جزءا من التحقيق، أموال تتحرك رقميا، بيئة دخلت صلب أجندة الجريمة المنظمة، وذكاء اصطناعي يمكن أن يستخدمه المحقق كما يمكن أن يستخدمه المجرم.
وبين المؤتمرين، لم تتغير الجريمة وحدها؛ تغيرت أيضا الطريقة التي تريد الدول أن تواجهها بها.
وهذا ما أعطى انتقال المؤتمر من كيوتو إلى أبوظبي معنى يتجاوز تغيير الدولة المضيفة. اليابان جاءت بخبرة الدورة السابقة والتزاماتها، والإمارات استقبلتها وأضافت إليها آليات تنفيذ وشراكات جديدة، في مشهد يعكس طبيعة العمل الدولي نفسه: كل دورة تبدأ من حيث انتهت السابقة، لكن عليها أن تجيب عن جرائم لم تكن موجودة بالطريقة نفسها قبل خمس سنوات.
في هذا السياق، يصبح هيراغوتشي أحد الشهود القلائل على هذه المسافة كاملة؛ من مؤتمر كيوتو الذي كان يضع التكنولوجيا الجديدة في مقدمة المخاطر الناشئة، إلى أبوظبي التي وجدتها وقد أصبحت جزءا من بنية الجريمة والعدالة نفسها.
ومن هنا جاءت صورة «من كيوتو إلى أبوظبي» أكثر من مجرد عنوان لفيلم الافتتاح؛ إنها تلخيص لمسار دولي انتقلت خلاله مكافحة الجريمة من التعامل مع عالم رقمي يتشكل، إلى محاولة وضع قواعد للعدالة داخل عالم رقمي أصبح واقعا.