أنت تتصفح النسخة النصية — بدون صور أو سكربتات
Emaratunaأبوظبي · تغيير

إعلان أبوظبي.. كيف تعيد الإمارات رسم أجندة منع الجريمة عالميا؟

المصدر: العين الإخبارية

إعلان أبوظبي.. كيف تعيد الإمارات رسم أجندة منع الجريمة عالميا؟

لم يعد مؤتمر الأمم المتحدة الخامس عشر لمنع الجريمة والعدالة الجنائية في أبوظبي مجرد اجتماع دولي لتبادل الآراء حول الجريمة والعدالة، بعدما أطلق في يومه الأول مسارا يستهدف توجيه التعاون الدولي خلال السنوات الخمس المقبلة.

وتكمن أهمية الدورة الحالية في «إعلان أبوظبي» الذي جرى اعتماده في افتتاح المؤتمر، ليكون الإطار السياسي والاستراتيجي للعمل الدولي في مجالات منع الجريمة والعدالة الجنائية وسيادة القانون، في وقت تتغير فيه طبيعة التهديدات الإجرامية وتتداخل فيها الجريمة المنظمة مع الفضاء الرقمي والاقتصاد العالمي وحركة الأموال والبشر.

ويأتي ذلك في مؤتمر تستضيفه أبوظبي حتى الأول من أكتوبر/تشرين الأول 2026، بمشاركة نحو 5 آلاف شخص من أكثر من 97 دولة، بينهم أكثر من 32 وزيرا للعدل والداخلية و93 خبيرا ومتخصصا. وتطرح الدورة الحالية 15 فعالية رئيسية ونحو 200 اجتماع جانبي، بما يجعلها مساحة واسعة لتبادل الخبرات وبناء الشراكات الدولية.

إعلان أبوظبي

يمثل «إعلان أبوظبي» المخرج الأهم لليوم الأول من المؤتمر، بعدما اعتمدته الدول المشاركة باعتباره الوثيقة السياسية والاستراتيجية التي تحدد أولويات العمل الدولي في منع الجريمة والعدالة الجنائية وسيادة القانون خلال السنوات الخمس المقبلة.

ويتضمن الإعلان 4 محاور رئيسية، هي الوقاية والقدرة على الصمود، والعدالة وسيادة القانون، والتهديدات الإجرامية المتطورة والمتقاربة، والابتكار والتعاون، وينبثق عنها 18 مادة و67 فقرة.

ويغطي الإعلان ملفات متعددة، بينها مكافحة الجريمة المنظمة والجرائم السيبرانية، والاستخدام المسؤول للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وحماية الضحايا والشهود، واسترداد الموجودات، ومكافحة التدفقات المالية غير المشروعة والفساد والجرائم المالية، إلى جانب التعاون الدولي والمساعدة القانونية المتبادلة وتسليم المجرمين.

وبذلك لا يركز الإعلان على نوع واحد من الجرائم، وإنما يحاول بناء استجابة دولية تتعامل مع البيئة التي أصبحت الجريمة تتحرك داخلها.

الجريمة العابرة للحدود

أحد الملفات التي تفرض نفسها بقوة على أجندة المؤتمر هو اتساع نطاق الجريمة المنظمة العابرة للحدود. فشبكات الجريمة لم تعد مرتبطة بدولة واحدة أو نطاق جغرافي محدد، بينما أصبحت عمليات الاحتيال وغسل الأموال والاتجار بالبشر والمخدرات وتمويل الأنشطة غير المشروعة تستفيد من سهولة انتقال الأموال والمعلومات والأشخاص بين الدول.

ولهذا يركز «إعلان أبوظبي» على تعزيز التعاون الدولي والمساعدة القانونية المتبادلة وتسليم المجرمين، باعتبارها أدوات أساسية للتعامل مع الجرائم التي تتجاوز الحدود الوطنية.

ويظهر هذا البعد أيضا في الاجتماعات التي عقدت على هامش المؤتمر؛ إذ تستعرض دول رابطة جنوب شرق آسيا تجاربها في تعزيز التنسيق بين أجهزة النيابة لمواجهة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، مع بحث توسيع الشراكات وتبادل الخبرات مع الدول المشاركة.

التعاون القضائي

في هذا السياق، تضع الإمارات التعاون الدولي في قلب مقاربتها للمؤتمر.

وأكد وزير العدل الإماراتي عبدالله سلطان بن عواد النعيمي أن الدولة تنظر إلى الشراكات القضائية باعتبارها وسيلة لتعزيز الثقة والاستقرار الدولي، مشيرا إلى شبكة واسعة من الاتفاقيات والتعاون القضائي في المسائل المدنية والجزائية ومكافحة الجريمة.

وتتجاوز أهمية هذا التعاون الجانب القانوني المباشر؛ فملاحقة الجرائم العابرة للحدود تحتاج إلى تبادل المعلومات والأدلة، وتسريع إجراءات المساعدة القانونية، وتنسيق عمل المؤسسات المعنية في أكثر من دولة.

ومن هنا يحاول المؤتمر تحويل التعاون الدولي من مجرد اتفاقيات إلى آليات عملية للتعامل مع الجريمة المتغيرة.

الوقاية

لا يركز المسار الجديد على ملاحقة الجريمة بعد وقوعها فقط، وإنما يمنح الوقاية مساحة واضحة داخل «إعلان أبوظبي».

ويضع الإعلان الوقاية والقدرة على الصمود ضمن محاوره الأربعة، في توجه يربط مكافحة الجريمة بالقدرة على معالجة الظروف التي تساعد على ظهورها أو توسعها.

وتكتسب هذه المقاربة أهمية مع ظهور أنماط إجرامية تستفيد من التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي، إذ لم يعد التعامل الأمني والقضائي وحده كافيا لمواجهة بيئة تتغير بسرعة، بل تحتاج الدول إلى سياسات تستبق المخاطر وتطور قدراتها المؤسسية قبل تحولها إلى أزمات.

الشباب

يحضر الشباب في المؤتمر باعتبارهم جزءا من صياغة الحلول، وليسوا مجرد فئة مستهدفة بالسياسات.

وقبل انطلاق المؤتمر، استضافت أبوظبي منتدى «أصوات الشباب من أجل العدالة»، بمشاركة شباب من الإمارات ودول أعضاء في الأمم المتحدة، وجرى تسليم توصيات المنتدى إلى وزير العدل الإماراتي ضمن التحضير لأعمال المؤتمر.

وتتناول هذه المشاركة قضايا تتصل بمنع الجريمة والعدالة الجنائية، مع منح الشباب مساحة لطرح رؤى مرتبطة بالتغيرات التي يشهدها العالم، خصوصا في البيئة الرقمية.

ويستمر هذا الحضور خلال المؤتمر عبر أنشطة شبابية تبحث قضايا مثل الذكاء الاصطناعي والمعلومات المضللة والثقة الرقمية، بما يعكس توجها لإدخال الأجيال الأكثر احتكاكا بالتكنولوجيا في النقاش حول مستقبل الأمن والعدالة.

البحث العلمي

يحضر البحث العلمي أيضا في قلب المشهد من خلال مشاركة «مجموعة تريندز»، التي تتولى بالتنسيق مع وزارة العدل رئاسة فريق المحتوى العلمي للمؤتمر، إلى جانب جناح معرفي يستعرض إصداراتها المتخصصة.

وأكد الدكتور محمد عبدالله العلي، رئيس مجلس إدارة المجموعة، أن المشاركة تستهدف دعم الحوار الدولي من خلال البحث والمعرفة والاستشراف العلمي في قضايا منع الجريمة والعدالة، خصوصا مع التحولات التقنية المتسارعة.

وتشارك المجموعة كذلك عبر مجلس شبابها، إذ مثلها في منتدى «أصوات الشباب من أجل العدالة» الباحثات أبرار العلي ونجلاء المدفع وحصة النعيمي وآمنة خالد، ضمن النقاشات المتعلقة بدور الشباب في ابتكار حلول تعزز أمن المجتمعات.

وتضيف هذه المشاركة بعدا معرفيا إلى المؤتمر؛ فمواجهة الجريمة لا تعتمد على الأجهزة الأمنية والقضائية وحدها، وإنما تحتاج إلى دراسات تستشرف التحولات وتساعد صناع القرار على فهم المخاطر قبل اتساع نطاقها.

النيابة العامة

وتقدم مشاركة النيابة العامة الإماراتية نموذجا آخر لطبيعة الحضور الإماراتي في المؤتمر. ففي اليوم الأول، شارك المستشار سالم الزعابي، رئيس نيابة بمكتب النائب العام، في جلسة حول الذكاء الاصطناعي في أنظمة العدالة الجنائية، مستعرضا تجربة النيابة في بناء منظومة مؤسسية لحوكمة استخدام الذكاء الاصطناعي في العمل القضائي.

وتقوم المنظومة التي عرضتها النيابة على استراتيجية متخصصة، ووثيقة للأخلاقيات، وسياسة لإدارة الاستخدامات، ومصفوفة لتقييم المخاطر، مع التأكيد على الشرعية القانونية والمسؤولية المؤسسية والرقابة البشرية.

وتكشف المشاركة عن جانب من التحولات التي يناقشها المؤتمر، إذ لم تعد المؤسسات القضائية تواجه الجريمة التقليدية فقط، وإنما تعمل أيضا على تطوير أدواتها لمواكبة التغير في طبيعة الجريمة ووسائل ارتكابها.

الجرائم الرقمية

يأتي الفضاء الرقمي كأحد أهم المجالات التي تعيد تشكيل خريطة الجريمة عالميا. فالمؤتمر يناقش الجرائم السيبرانية والاحتيال عبر الإنترنت والأدلة الإلكترونية والأصول الافتراضية والتكنولوجيا المالية، إلى جانب الاستخدام المسؤول للتقنيات الحديثة.

وتكمن الصعوبة في أن التطور التقني لا يمنح مؤسسات العدالة أدوات جديدة فقط، بل يفتح أمام الشبكات الإجرامية وسائل جديدة للعمل أيضا.

ولهذا تتطلب مكافحة الجرائم الرقمية تعاونا يتجاوز الحدود، لأن البيانات قد تكون في دولة، والضحية في دولة ثانية، والمنفذ في دولة ثالثة، بينما تمر الأموال عبر منظومة مالية موزعة على أكثر من سوق.

إعلان قابل للتنفيذ

لا تتوقف أهمية «إعلان أبوظبي» عند اعتماده كوثيقة سياسية، إذ أطلقت الإمارات بالتزامن مبادرة «Pledge4Justice» لتحويل الالتزامات الدولية إلى تعهدات ومبادرات عملية تدعم تنفيذ مخرجات الإعلان.

وقدمت الإمارات أول تعهد في إطار المبادرة بقيمة تصل إلى 5 ملايين دولار، من خلال مساهمات سنوية تصل إلى مليون دولار لمدة خمس سنوات بين 2026 و2031، لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز العدالة وبناء القدرات وتحويل مخرجات المؤتمر إلى برامج قابلة للتنفيذ.

وتعطي المبادرة بعدا عمليا للإعلان، إذ يصبح التحدي بعد انتهاء المؤتمر مرتبطا بقدرة الدول والمؤسسات على تنفيذ ما تم الاتفاق عليه، وتطوير برامج قابلة للقياس والمتابعة.

أبوظبي

منذ انطلاق المؤتمر في 26 سبتمبر/أيلول، تحولت أبوظبي إلى مساحة تجمع صناع القرار القضائي والأمني والخبراء والباحثين والشباب وممثلي المؤسسات الدولية حول ملف واحد شديد الاتساع: كيف يمكن للمجتمع الدولي أن يمنع الجريمة قبل وقوعها، ويطور استجابته عندما تقع، ويحافظ في الوقت نفسه على سيادة القانون؟

وتأتي الإجابة التي يقدمها المؤتمر عبر مزيج من الوقاية، والتعاون الدولي، وتبادل المعلومات والخبرات، وتطوير التشريعات، وبناء القدرات، وإشراك الشباب والبحث العلمي، مع الاستعداد للتهديدات التي تفرضها التكنولوجيا.

وبهذا يصبح «إعلان أبوظبي» أكثر من وثيقة تختتم بها دورة أممية؛ فهو الإطار الذي يفترض أن يحمل أولويات العمل الدولي في منع الجريمة والعدالة الجنائية خلال السنوات الخمس المقبلة، بينما تختبر الدول المشاركة قدرتها على تحويل التوافق السياسي إلى إجراءات وشراكات وسياسات قابلة للتطبيق.

وتستمر أعمال المؤتمر في مركز أدنيك أبوظبي حتى الأول من أكتوبر/تشرين الأول، وسط برنامج يضم جلسات رئيسية واجتماعات جانبية ومعرضا مصاحبا، في محاولة لصياغة استجابة دولية أكثر تنسيقا أمام عالم تتغير فيه الجريمة بوتيرة متسارعة.

التعليقات