أنت تتصفح النسخة النصية — بدون صور أو سكربتات
Emaratunaأبوظبي · تغيير

ماذا يعني «العدالة للناس والكوكب»؟ شرح مبسط لرسالة مؤتمر أبوظبي

المصدر: العين الإخبارية

ماذا يعني «العدالة للناس والكوكب»؟ شرح مبسط لرسالة مؤتمر أبوظبي

قد تبدو عبارة «حماية الناس والكوكب» للوهلة الأولى شعارا واسعا، لكنها في مؤتمر الأمم المتحدة الخامس عشر لمنع الجريمة والعدالة الجنائية في أبوظبي تحمل معنى أكثر تحديدا.

كيف يمكن للعدالة أن تواكب جرائم تتغير طبيعتها، وتحمي الإنسان من التهديدات الجديدة، وتحافظ في الوقت نفسه على البيئة والموارد، مستفيدة من التكنولوجيا من دون أن تتحول التقنيات الحديثة إلى مساحة جديدة للجريمة.

المؤتمر، الذي تستضيفه أبوظبي خلال الفترة من 26 سبتمبر إلى الأول من أكتوبر 2026، يجمع أكثر من 97 دولة، وأكثر من 32 وزيرا للعدل والداخلية، تحت عنوان رئيسي هو «تسريع العمل في مجال منع الجريمة والعدالة الجنائية وسيادة القانون: حماية الناس والكوكب وتحقيق خطة التنمية المستدامة لعام 2030 في العصر الرقمي». ويبحث المشاركون كيفية تحويل هذا العنوان إلى سياسات عملية في السنوات المقبلة.

الناس أولا

الجزء الأول من الرسالة يتعلق بإعادة وضع الإنسان في مركز العدالة. فالمؤتمر لا يتعامل مع العدالة الجنائية باعتبارها مجرد ملاحقة للمجرمين بعد وقوع الجريمة، وإنما يناقش منظومات أكثر قدرة على الوقاية، والاستجابة، وحماية الفئات الأكثر عرضة للمخاطر، وضمان الوصول إلى العدالة.

ولهذا يتضمن برنامج المؤتمر محوراً خاصا بتطوير نظم عدالة جنائية «تتمحور حول الإنسان» وتكون شاملة وقادرة على الاستجابة للتغيرات. كما يناقش حماية النساء والأطفال والشباب، وتعزيز مشاركتهم، ونشر ثقافة احترام القانون.

المعنى ببساطة: العدالة ليست فقط عقوبة لمن ارتكب الجريمة، بل منظومة تبدأ بالوقاية، وتحمي الضحية، وتضمن الوصول إلى الحقوق، وتعمل على بناء مجتمع أكثر قدرة على منع الجريمة قبل وقوعها.

الكوكب يدخل دائرة العدالة

لم تعد البيئة بعيدة عن عالم الجريمة. الاتجار غير المشروع بالحياة البرية، والجرائم التي تستهدف الموارد الطبيعية، والتلوث والاتجار غير المشروع بالمواد المرتبطة بالبيئة، كلها أنماط تجعل حماية البيئة جزءا من جهود منع الجريمة.

ولهذا يربط مؤتمر أبوظبي بين منع الجريمة والتنمية الاجتماعية والاقتصادية والبيئية، كما يناقش الجرائم التي تمس البيئة ضمن التحديات الإجرامية التي تحتاج إلى استجابات دولية أكثر تكاملا.

وهنا يصبح تعبير «حماية الكوكب» أكثر وضوحا: حماية البيئة لا تعني فقط سياسات المناخ أو الحفاظ على الموارد، وإنما أيضا ملاحقة الأنشطة الإجرامية التي تستغل هذه الموارد أو تدمرها أو تتاجر بها بصورة غير مشروعة.

التنمية جزء من العدالة

يضع المؤتمر العدالة داخل صورة أكبر ترتبط بأهداف التنمية المستدامة لعام 2030. والفكرة أن الأمن وسيادة القانون لا يعملان في فراغ؛ فالمجتمعات الأكثر قدرة على حماية الحقوق ومنع الجريمة وتطبيق القانون تحتاج أيضا إلى مؤسسات فعالة، واقتصاد مستقر، وبيئة آمنة، وفرص تنمية متاحة.

ولهذا يتضمن برنامج المؤتمر تطوير استراتيجيات قائمة على الأدلة لمنع الجريمة بما يدعم التنمية الاجتماعية والاقتصادية والبيئية، بدلا من التعامل مع الجريمة باعتبارها ملفا أمنيا منفصلا عن بقية احتياجات المجتمع.

الجريمة تغيرت

أحد أسباب اتساع رسالة المؤتمر هو أن الجريمة نفسها لم تعد كما كانت قبل عقود. الشبكات الإجرامية أصبحت أكثر قدرة على العمل عبر الحدود، فيما ظهرت جرائم إلكترونية واحتيالات رقمية، وتطورت أساليب غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وظهرت تحديات مرتبطة بالأصول الافتراضية والتكنولوجيا المالية.

ولهذا يناقش مؤتمر أبوظبي الجريمة المنظمة والعابرة للحدود، والجرائم السيبرانية، والاحتيال عبر الإنترنت، والاتجار بالبشر والمخدرات، وغسل الأموال وتمويل الإرهاب، إلى جانب الجرائم التي تمس البيئة. المغزى هنا أن العدالة لا تستطيع الاعتماد على أدوات الماضي لمواجهة جرائم تستفيد من أدوات المستقبل.

العصر الرقمي

وهنا يأتي الجزء الآخر من الرسالة: «في العصر الرقمي». التكنولوجيا أصبحت في الوقت نفسه أداة للجريمة وأداة لمواجهتها.

فالمجرمون يستطيعون استخدام التكنولوجيا لتوسيع نطاق الاحتيال والابتزاز وغسل الأموال وتبادل البيانات، لكن أجهزة العدالة تستطيع أيضا استخدام البيانات والأدلة الإلكترونية والذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة لتطوير التحقيقات وتحسين القدرة على التنبؤ بالمخاطر.

ولهذا يخصص المؤتمر مساحة لاستخدام الأدلة الإلكترونية والأصول الافتراضية والتكنولوجيا المالية، إلى جانب الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة في منظومات العدالة الجنائية.

واللافت هنا هو كلمة «المسؤول»: الهدف ليس إدخال التكنولوجيا إلى العدالة لمجرد مواكبة التطور، وإنما استخدامها بطريقة تحمي الحقوق وتدعم الثقة في المؤسسات.

العدالة قبل وقوع الجريمة

رسالة المؤتمر لا تتوقف عند التعامل مع الجريمة بعد حدوثها، بل تدفع باتجاه الوقاية والاستباق. ولهذا يتحدث البرنامج عن استراتيجيات مبتكرة وقائمة على الأدلة لمنع الجريمة، وعن تعزيز جمع البيانات وتحليلها لفهم الجرائم الجديدة، وعن بناء مجتمعات أكثر قدرة على الصمود أمام المخاطر.

وهذا التحول مهم؛ لأن الوقاية تعني أن نجاح العدالة لا يقاس فقط بعدد القضايا التي تم ضبط مرتكبيها، وإنما أيضا بقدرة المؤسسات والمجتمعات على اكتشاف المخاطر مبكرا وتقليل فرص تحولها إلى جرائم.

التعاون شرط أساسي

لا يمكن لأي دولة أن تواجه وحدها جرائم تتحرك عبر الحدود. المتهم قد يكون في دولة، والأموال في دولة ثانية، والبيانات في دولة ثالثة، بينما تتوزع عناصر الجريمة بين عدة مناطق. لذلك يضع مؤتمر أبوظبي التعاون والشراكات الدولية ضمن محاوره الأساسية، إلى جانب المساعدة الفنية والمادية والتدريب وبناء القدرات.

وهذا يفسر لماذا يتجاوز المؤتمر فكرة تبادل وجهات النظر إلى محاولة بناء سياسات وممارسات مشتركة يمكن للدول تطبيقها على الأرض.

لماذا أبوظبي؟

أهمية استضافة أبوظبي للمؤتمر لا ترتبط فقط بكونها مكان انعقاد الحدث، وإنما بما تتيحه من مساحة تجمع الدول والخبراء والمؤسسات القضائية والأمنية والبحثية لمناقشة مستقبل العدالة الجنائية.

وتشارك في المؤتمر وفود من أكثر من 97 دولة، إلى جانب أكثر من 32 وزيرا للعدل والداخلية، و93 متحدثا من الخبراء والمتخصصين، ونحو 200 اجتماع جانبي، ومعرض يضم 38 منصة، بما يحول أبوظبي خلال أيام المؤتمر إلى مساحة دولية لتبادل الخبرات وبناء الشراكات.

كما تتولى مجموعة «تريندز» بالتنسيق مع وزارة العدل رئاسة فريق المحتوى العلمي للمؤتمر، في مسار يعكس أهمية البحث والدراسات والاستشراف في صياغة النقاش حول مستقبل منع الجريمة والعدالة.

إعلان أبوظبي

في النهاية، لا يريد المؤتمر أن تبقى هذه الأفكار داخل قاعات النقاش. «إعلان أبوظبي» يمثل المخرج السياسي الرئيسي المنتظر لترجمة التوافق الدولي إلى توجهات وأولويات عملية للسنوات الخمس المقبلة، ويرتكز على أربعة محاور: الوقاية والقدرة على الصمود، والعدالة وسيادة القانون، والتهديدات الإجرامية المتطورة والمتقاربة، والابتكار والتعاون.

ومن هنا يمكن فهم العبارة التي اختارها المؤتمر عنوانا لرسالته: «حماية الناس والكوكب» ليست جملة منفصلة عن العدالة، بل تلخيص لفكرة أوسع ترى أن العدالة الحديثة يجب أن تحمي الإنسان وحقوقه، وتحافظ على البيئة، وتواكب الجريمة الجديدة، وتستخدم التكنولوجيا بمسؤولية، وتبني شراكات دولية قادرة على تحويل المبادئ إلى إجراءات.

وبهذا المعنى، فإن مؤتمر أبوظبي لا يناقش فقط كيف نعاقب على الجريمة، بل كيف نصمم منظومة عدالة تستطيع أن تمنعها، وتواجه أشكالها الجديدة، وتحمي الإنسان والبيئة، وتواكب العالم الرقمي الذي تتشكل فيه تحديات العقد المقبل.

التعليقات