أنت تتصفح النسخة النصية — بدون صور أو سكربتات
Emaratunaدبي · تغيير

الشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم.. رحيل رجل من ذاكرة دبي

المصدر: العين الإخباريةقراءات: 3

في حياة الأوطان هناك رجال لا تختصرهم المناصب ولا يمكن أن تعكس سيرهم الرسمية كل ما قدموه، فأسماؤهم مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بعصر كامل من تاريخ البلاد.

الراحل الشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم – رحمه الله – كان أحد هؤلاء الرجال، واسمه مرتبط بتاريخ دبي منذ نشأتها. لقد كان شخصية ثابتة في مسار دولة الإمارات، عندما شرعت في تأسيس مؤسساتها وتشكيل صورتها الحالية.

بالأمس الإثنين 21 سبتمبر/أيلول 2026، تلقينا خبر وفاة الشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم.

كان الخبر مؤلمًا بشكل خاص لسكان دبي، حيث إن هذا الرجل كان جزءًا من ذاكرتهم لعقود في العديد من المجالات من العمل العسكري والأمني إلى الرياضة والفروسية، وصولًا إلى مساهماته الاقتصادية والاجتماعية، وأعلن ديوان صاحب السمو حاكم دبي الحداد الرسمي وتنكيس الأعلام لمدة عشرة أيام.

وقد عبّر صاحب السمو الشيخ مكتوم بن محمد بن راشد آل مكتوم عن مكانة الشيخ أحمد بأفضل شكل من خلال وصفه بأنه كان عضيداً لحكام دبي.

وأشار إلى مساهمته في تأسيس القوات المسلحة في دولة الإمارات، وإلى المحبة التي جمعته بأهل دبي. وهي كلمات تختصر علاقة تجاوزت حدود المنصب الرسمي، لتصبح علاقة بين رجل ومدينة عاش تفاصيل تحولاتها ونموها.

الشيخ أحمد هو الابن الأصغر للشيخ المرحوم راشد بن سعيد آل مكتوم، باني نهضة دبي الحديثة، وشقيق سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس الوزراء وحاكم دبي، نشأ في أسرة يرتبط اسمها ارتباطًا وثيقًا بتطور دبي وتحويل الأفكار والرؤى إلى مشاريع ومؤسسات، التي لا يزال تأثيرها ملموسًا حتى اليوم.

قرر الشيخ أحمد في وقت مبكر أن يسلك مسارًا عسكريًا، حيث درس في الأكاديمية العسكرية الملكية في ساندهيرست بالمملكة المتحدة، ثم عاد إلى دبي وانضم إلى المنطقة العسكرية المركزية، التي كانت تعرف سابقًا بقوة دفاع في دبي، قبل أن يتولى قيادتها.

حدث هذا في مرحلة حاسمة من تاريخ الدولة، عندما كانت المؤسسات العسكرية والأمنية لدولة الإمارات تُبنى وتُطور بالتوازي مع تأسيس الاتحاد ونمو مدنه ومؤسساته.

لطالما ارتبط اسم الشيخ أحمد على مدى سنوات عديدة أيضًا بالشرطة ونظام الأمن العام في دبي، لدرجة أن حضوره أصبح جزءًا لا يتجزأ من مرحلة مهمة في تطوير العمل الأمني في الإمارة.

ما يلفت الانتباه في مسيرته المهنية هو أن حياته لم تقتصر على المجال العسكري أو الأمني فقط؛ بل امتدت اهتماماته إلى مجالات أخرى ترك فيها بصمات واضحة، وخاصة في مجال الرياضة.

بالنسبة للكثير من سكان دبي، من الصعب التحدث عن الشيخ أحمد بن راشد دون ذكر نادي الوصل.

لم تقتصر العلاقة بين الشيخ أحمد والوصل على الأمور الرياضية فقط، فاسمه مرتبط بتاريخ النادي منذ تأسيسه، فقد تولى رئاسة النادي ودعمه لعقود، حتى أصبح اسمه جزءاً من ذاكرة جماهير "الإمبراطور".

بالنسبة لأنصاره، فالوصل ليس مجرد نادي لكرة القدم، بل هو جزء من تاريخ حي زعبيل والتراث الرياضي في دبي، وكان الشيخ أحمد جزءًا مهمًا من هذا التاريخ.

وفقًا للمصادر، تأسس النادي عام 1960 تحت اسم "الزمالك" قبل أن يتحول لاحقًا إلى نادي الوصل، وتولى الشيخ أحمد رئاسة النادي وساهم بشكل كبير في دعمه وتطويره.

لم يقتصر اهتمامه الرياضي على كرة القدم فحسب، بل لعب دورًا رئيسيًا في تأسيس وبناء نادي دبي الدولي للرياضات البحرية وتولى رئاسته بعد إنشائه عام 1988، في وقت شهد فيه الرياضات المائية الإماراتية مرحلة جديدة من الأهمية الإقليمية والدولية.

وكان النادي لاحقًا أول نادي من نوعه في الشرق الأوسط وأفريقيا ينضم إلى الاتحاد الدولي للرياضات المائية، ومع ذلك، كانت رياضة ركوب الخيل فصلاً آخر في حياته.

عرف عالم الرياضة الشيخ أحمد بن راشد كأحد أبرز الداعمين لرياضة سباق الخيل في الإمارات، وارتبط اسمه بسباق جبل علي للخيول، الذي أصبح على مر السنين واحداً من أشهر مضامير السباق في البلاد.

كما أسس مجلة «العاديات» وساهم في دعم مجتمع رياضة الفروسية وسباقات الخيل، في وقت كانت فيه دبي تتطور تدريجياً لتصبح أحد المراكز العالمية الرائدة في هذا الرياضة.

ولم يكن حضوره في عالم الخيل حضوراً شرفياً فقط؛ فقد امتلك خيولاً حققت انتصارات في سباقات دولية مهمة، وعلى رأسها الحصان الشهير «متوتو»، الذي حقق سلسلة من النجاحات البارزة في الثمانينيات.

هنا أيضًا يظهر جانب آخر من شخصية الشيخ أحمد: حب التفاصيل، الاستمرارية، والرغبة في خلق شيء دائم يتطور على مر السنين.

في عالم الأعمال، يرتبط اسمه أيضًا بعدة استثمارات ومشاريع، بما في ذلك مركز دبي للعقارات وشركة إيه آر إم القابضة لتضاف هذه الأعمال إلى مسيرة امتدت بين الخدمة العسكرية والأمن والرياضة والفروسية والأعمال.

لكن حين يرحل شخص بعد مسيرة حياة طويلة، تصبح المناصب والإنجازات جزءًا من الحكاية، وليس الحكاية كلها.

في الإمارات تعلمنا أن قيمة الإنسان تقاس بما يتركه وراءه: مؤسسة استمرت، رياضة تطورت، جيل تعلم منه، ومكان يحمل آثراً من آثارهم.

شهد الشيخ أحمد بن راشد تحول دبي من مرحلة إلى أخرى، وشارك في قطاعات مختلفة كانت في طور البناء آنذاك، ورأى نموها وتطورها على مدى عقود.

لهذا ربما يكون أجمل ما يمكن قوله عنه اليوم هو أن اسمه سيبقى موجوداً في أماكن كثيرة أحبها وكرّس لها وقته وحياته.

سيبقى في ذاكرة الوصل وجماهيره، في مضمار جبل علي ووسط عالم الفروسية، في تاريخ الرياضات المائية ودفاتر العمليات العسكرية والأمنية في دبي، لا يُنسى.

رحل الشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم، لكن أثر الرجال لا يرحل معهم.

وفي الإمارات، بينما نودع اليوم أحد أبناء جيل تحمل في مراحل مختلفة من تاريخ الوطن مسؤولية بنائه، لا يسعنا سوى أن ندعو له، داعين له بحياة تُستحق بعد عقود من العمل والعطاء.

رحم الله الشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم، وغفر له وأسكنه فسيح جناته، وألهم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم وآل مكتوم الكرام وأهل الإمارات جميعاً الصبر والسلوان.

إنا لله وإنا إليه راجعون.

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة

تطورات الحدث: 6 مواد

التعليقات