أنت تتصفح النسخة النصية — بدون صور أو سكربتات
Emaratunaدبي · تغيير

بين طهران وواشنطن.. كيف تدفع دبي فاتورة الحرب والعقوبات؟

القسم: financeالمصدر: عربي21

هذا الموقع يستخدم ملف تعريف الارتباط Cookie

تواجه دبي واحدة من

أصعب المعادلات الاقتصادية منذ سنوات، بعدما أصبحت الحرب مع إيران والعقوبات المفروضة

عليها تضغط في الوقت نفسه على قطاعي الطيران والتجارة، وهما من أهم ركائز نموذج الإمارة

الاقتصادي، فلم تكن إيران بالنسبة إلى دبي مجرد دولة جارة تفصلها عنها مياه الخليج،

بل كانت على مدى عقود جزءًا من شبكة التجارة والأعمال التي ساعدت الإمارة على التحول

إلى مركز إقليمي لإعادة التصدير والتمويل والخدمات.

فبينما تتجه الإمارات إلى وقف تعاملاتها التجارية والمالية مع طهران، تواجه دبي بالفعل تداعيات مباشرة للحرب التي أضعفت حركة السفر وأثرت على صورة المدينة التي بنت جانبًا كبيرًا من نجاحها على أنها مركز آمن للأعمال والسياحة والتجارة.

وفي أحدث تطورات هذا الملف، فرضت الولايات المتحدة في 28 آب / أغسطس عقوبات جديدة مرتبطة بإيران، طالت فروع بنك مصر في الإمارات، بعدما قالت وزارة الخزانة الأمريكية إن هذه الفروع تعاملت مع نحو 1.8 مليار دولار في معاملات تخص 103 شركات يُحتمل ارتباطها بشبكة مصرفية ظلّية مرتبطة بإيران، كما شملت العقوبات مدير فرع بنك ملي الإيراني في الإمارات، في خطوة تعكس اتساع الضغوط الأمريكية على المؤسسات الموجودة في الإمارات التي تتعامل مع الشبكات المالية الإيرانية.

التطور جاء بعد أيام قليلة من إعلان الإمارات وقف جميع الأنشطة والتبادلات التجارية والمعاملات المالية مع إيران حتى إشعار آخر. وقالت مديرة إدارة الاتصال الاستراتيجي في وزارة الخارجية الإماراتية عفراء الهاملي، في 19 آب / أغسطس، إن القرار جاء في ضوء التصعيد الإقليمي الذي قوّض السلام والأمن الإقليميين والدوليين، مؤكدة في الوقت نفسه التزام الإمارات بالحوار والتعاون والتكامل الإقليمي.

لكن بالنسبة إلى دبي، فإن قطع العلاقات الاقتصادية مع إيران ليس قرارًا عاديًا، لأن الإمارة بنت على مدار عقود شبكة تجارية واسعة مع جارتها عبر الخليج، ووفقًا لصحيفة "وول ستريت جورنال"، بلغت التجارة بين الإمارات وإيران نحو 28 مليار دولار في عام 2024، بينما لا تزال مظاهر النشاط الاقتصادي الإيراني واضحة في دبي، بما في ذلك استمرار عمل مؤسسات مالية إيرانية مثل بنك ملي الإيراني.

وأشارت الصحيفة إلى أن الإيرانيين الموجودين في الإمارات بدأوا يبحثون عن بدائل للعمليات المالية التقليدية، في وقت تجعل فيه الروابط التجارية والتاريخية العميقة بين الجانبين عملية الفصل الاقتصادي المفاجئ أكثر تعقيدًا. كما رأت أن قطع هذه العلاقات بصورة سريعة يمكن أن يلحق ضررًا بالاقتصاد الإماراتي، وباقتصاد دبي على وجه الخصوص.

وهنا تظهر المشكلة الحقيقية بالنسبة إلى دبي: الإمارة لا تخسر فقط حركة تجارة مع إيران، وإنما تواجه احتمال تراجع نشاط اقتصادي كامل نشأ حول هذه التجارة، من شركات الاستيراد والتصدير إلى الشحن وإعادة التصدير والخدمات المالية والمكاتب والمخازن والعقارات والخدمات التي تستفيد من وجود رجال الأعمال والشركات الإيرانية.

ليست الضربة الوحيدة

الحرب نفسها بدأت تضرب أحد أهم أعمدة الاقتصاد في دبي، وهو الطيران، وأظهرت أحدث البيانات أن مطار دبي الدولي استقبل 31.5 مليون مسافر فقط خلال النصف الأول من عام 2026، مقارنة بنحو 46 مليونًا في الفترة نفسها من العام الماضي، بتراجع بلغ 31.3 بالمئة كما انخفضت حركة الطائرات بنسبة 32.1 بالمئة، بحسب وكالة "رويترز"، التي ربطت التراجع بصورة مباشرة بالاضطرابات التي أحدثتها الحرب مع إيران في حركة السفر عبر منطقة الخليج.

والأهمية هنا أن مطار دبي ليس مجرد مطار يخدم سكان الإمارة، بل يمثل جزءًا أساسيًا من نموذجها الاقتصادي، فالمسافر الذي يصل إلى دبي ينفق على الفندق والمطاعم والتسوق والنقل والترفيه، والشركات التي تستخدم الإمارة مركزًا إقليميًا تعتمد على سهولة الوصول إليها وعلى استمرار حركة الطيران. وبالتالي فإن أي تراجع كبير في أعداد المسافرين ينعكس على قطاعات أخرى تتجاوز الطيران نفسه.

الحرب أصابت الصورة

التي تحاول دبي بناءها لعقود

في أذار / مارس، وصفت

صحيفة "الغارديان" الوضع في دبي بأنه تهديد وجودي لنموذج المدينة، بعدما

غادر عشرات الآلاف من المقيمين والسياح الإمارات، تاركين الشواطئ ومراكز التسوق والفنادق

أكثر هدوءًا من المعتاد. وأشارت الصحيفة إلى أن الهجمات الإيرانية طالت مواقع داخل

الإمارات، بينها مطار دبي، فيما تضررت منشآت وفندق فاخر، وهو ما جعل الحرب تصل إلى

قلب المدينة التي اعتاد زوارها النظر إليها باعتبارها ملاذًا آمنًا بعيدًا عن صراعات

المنطقة.

ونقلت الصحيفة عن عاملين ومقيمين في دبي أن النشاط التجاري والسياحي تراجع بشدة خلال ذروة الحرب، بينما بدت أجزاء من المدينة خالية بصورة غير معتادة، كما أشارت إلى أن السياحة تدر على دبي نحو 30 مليار دولار سنويًا، وأن الإمارة لا تمتلك الاحتياطيات النفطية الكبيرة التي تملكها إمارات خليجية أخرى، ما يجعل اعتمادها على السياحة والطيران والخدمات والأعمال أكثر أهمية.

لهذا السبب يمكن فهم حساسية دبي تجاه العقوبات على إيران بصورة مختلفة، فالقضية ليست أن اقتصاد الإمارة قائم على إيران، ولا أن دبي لا تستطيع الاستمرار من دون التجارة الإيرانية، وإنما أن إيران كانت جزءًا من شبكة اقتصادية أوسع ساعدت الإمارة على ترسيخ موقعها كمركز للتجارة وإعادة التصدير في المنطقة.

وهذه العلاقة قديمة إلى درجة أن موقف حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم من العقوبات على إيران كان مختلفًا بوضوح قبل أكثر من عقد.

في كانون الثاني/ يناير 2014، وخلال مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، دعا محمد بن راشد إلى تخفيف العقوبات المفروضة على إيران، قائلًا إن إيران "جارتنا" وإن الجميع سيستفيد من رفع العقوبات. وذكرت تقارير في ذلك الوقت أن التجارة الإيرانية كانت تعتمد بصورة كبيرة على دبي كمركز لإعادة التصدير، وأن تشديد العقوبات كان قد أصاب تجارة الإمارة مع إيران.

كما نقلت وكالة رويترز في تقرير نشرته "أهرام أونلاين" آنذاك أن غالبية التجارة بين إيران وجيرانها الخليجيين كانت تمر عبر دبي، في مؤشر على مدى أهمية الإمارة بالنسبة إلى الاقتصاد الإيراني في ذلك الوقت.

ولذلك فإن موقف محمد بن راشد في 2014 يمكن قراءته باعتباره تعبيرًا عن المصالح الاقتصادية الخاصة بدبي، أكثر من كونه مجرد موقف سياسي تجاه طهران، فالإمارة كانت تنظر إلى إيران باعتبارها سوقًا قريبة وجزءًا من بيئة التجارة الإقليمية، وكانت العقوبات تعني خسارة أعمال وشحن وإعادة تصدير وخدمات مرتبطة بهذه السوق.

المشهد تغير جذريًا

في 2026

الحرب جعلت القرب الجغرافي

من إيران مصدر خطر، والضغط الأمريكي جعل استمرار العلاقات الاقتصادية مع طهران أكثر

تكلفة، بينما دفعت الإمارات رسميًا نحو وقف التجارة والمعاملات المالية معها.

وهكذا وجدت دبي نفسها أمام مفارقة صعبة: العلاقة التي ساعدتها لسنوات على أن تكون مركزًا تجاريًا إقليميًا أصبحت اليوم مصدرًا للضغط عليها، بينما الحرب نفسها تضرب الركائز التي تعتمد عليها الإمارة لتعويض أي خسارة في التجارة الإيرانية.

فإذا خرجت الشركات والتجارة الإيرانية من دبي، فإن الإمارة قد تخسر جزءًا من نشاط اقتصادي قائم منذ عقود، وإذا استمرت الحرب أو تكررت الاضطرابات الأمنية، فإن الخطر الأكبر يتمثل في تراجع ثقة السياح والمستثمرين والشركات في دبي باعتبارها مكانًا آمنًا ومستقرًا.

كم ستدفع دبي ثمنًا

لعزل جارتها؟

دبي لا تواجه أزمة بسبب إيران وحدها، ولا بسبب الحرب وحدها، وإنما بسبب اجتماع الاثنين معًا، فالحرب أضعفت صورة المدينة كملاذ آمن، والعقوبات تضغط على إحدى أهم شبكاتها التجارية الإقليمية، والولايات المتحدة توسع نطاق العقوبات ليشمل مؤسسات مالية تعمل داخل الإمارات.

وبينما تحاول أبوظبي الالتزام بالضغوط الدولية والحفاظ على النظام المالي الإماراتي، تجد دبي نفسها مطالبة بالحفاظ على جاذبيتها التجارية في وقت أصبحت فيه جارتها إيران، التي كانت يومًا سوقًا قريبة ومصدرًا مهمًا للأعمال، واحدة من أكثر الأسواق تعرضًا للعقوبات في العالم.

اظهار أخبار متعلقة

المزيد حول هذا الموضوع

20-Aug-26 06:32 PM

09-Aug-26 01:38 PM

06-Aug-26 10:48 AM

التعليقات