أكد القاضي علي شامس المدحاني، نائب رئيس محاكم مركز دبي المالي العالمي، أن اختيار الشركات والمستثمرين من خارج الدولة لمحاكم المركز للفصل في نزاعاتهم يعكس مستوى الثقة التي اكتسبتها المنظومة القضائية وسمعتها، مشيراً إلى أن هذا الدور يأتي اليوم كجزء أساسي من المنظومة المتكاملة التي بنتها دبي لترسيخ مكانتها مركزاً مالياً عالمياً.
وأوضح أن هذه الرؤية لم تبدأ من فكرة إنشاء مركز يستقطب الشركات ورؤوس الأموال فحسب، وإنما قامت منذ البداية على بناء بيئة اقتصادية وقانونية وقضائية متكاملة، توفر للشركات العالمية البنية التحتية والتشريعات والقضاء المتخصص الذي تحتاج إليه لممارسة أعمالها بثقة ووفق معايير دولية، لافتاً إلى أن توفير الحماية القانونية والقضائية كان عنصراً أساسياً في قرار المستثمر بشأن الدخول إلى السوق والتوسع فيه.
بينما كان سقف الاستثمار في المنطقة محدوداً ويرتكز بصورة أساسية على القطاع العقاري وبعض الأنشطة التقليدية، في وقت كانت فيه المنطقة بعيدة عن حركة الاستثمارات العالمية المرتبطة بالأسهم والسندات الدولية وتدفقات رؤوس الأموال وحركة النمو الاقتصادي.
خطوات استباقية
فتوجهت إلى المؤسسات المالية العالمية والأسواق والمراكز الاقتصادية الكبرى في موطنها، والتقت الشركات والمستثمرين وسألتهم عن أسباب غيابهم عن منطقة الشرق الأوسط، وما التحديات التي تحول دون توسعهم فيها، ليتبين أن جزءاً مهماً من هذه التحديات كان قانونياً وقضائياً، فالمستثمر لا يبحث فقط عن فرصة استثمارية.
وإنما يريد أن يعرف كيف ستحمى حقوقه، وما القانون الذي سيطبق، وأين سيلجأ إذا نشأ نزاع. وبين أن المستثمرين الدوليين كانوا معتادين على أنظمة قانونية مختلفة، منها القانون السويسري والصيني والروسي، وكانت الشركات الكبرى والمستثمرين يمتلكون فرقاً قانونية تتابع القضايا والأحكام والمبادئ القانونية المنشورة في المجلات القانونية العالمية، وهو ما كان غائباً عن محاكم الشرق الأوسط.
حيث كانت بعض قضايا محاكم التمييز والأحكام تنشر باللغة العربية، وهو ما كان يمثل بالنسبة للشركات العالمية، عائقاً في الوصول إلى المعرفة القانونية وفهم النظام القضائي العربي، خصوصاً أن اللغة العربية كانت خارج نطاق البحث المعتاد للفرق القانونية العالمية.
لافتاً إلى أن وجود نحو 8800 شركة مرخصة في مركز دبي المالي العالمي، وارتباط نحو 70 ألف شخص يومياً بأنشطة هذه الشركات والتعاملات المرتبطة بها، يعكس حجم البيئة الاقتصادية الموجودة داخل المركز.
وأضاف أن بعض النزاعات يكون أطرافها خارج الدولة وليس لهم نشاط في داخلها، ومع ذلك يختارون محاكم المركز بسبب الثقة بالنظام القضائي وسمعة محاكم مركز دبي المالي العالمي.
سرعة الفصل
وقد تنجز بعض القضايا التجارية الكبرى خلال نحو ستة أشهر، فيما قد تمتد قضايا أخرى إلى 18 شهراً. وشدد على أن الحق مقدم على الإجراء وأن المحاكم لا تسمح بأن يتحول الإجراء إلى عائق أمام الوصول إلى الحق.
مشيراً إلى أن المحكمة قد تتعامل حتى مع مسائل مرتبطة بالتقادم بطريقة تضمن عدم إهدار الحق لمجرد وجود عائق إجرائي، لأن الهدف النهائي هو الوصول إلى العدالة.
وأوضح أن المرافعات أمام القاضي قد تستمر لفترات طويلة، تصل في بعض القضايا إلى أسبوع أو أسبوعين، بما يسمح لكل طرف بأن يقدم كل ما لديه، وهناك ضمانات متعددة لحماية حقوق المتقاضين، من بينها تسجيل الجلسات بالصوت والصورة، بحيث لا يستطيع القاضي اختصار مرافعات المتنازعين بصورة تؤثر في حقهم في الدفاع.
وأضاف أن الجلسات تبث مباشرة وفق النظام المتبع ويمكن متابعتها مختلف دولة العالم لكل من يرغب في مشاهدتها، كما تتم أرشفتها على المنصات الرقمية، ومن بينها «يوتيوب»، بما يعزز الشفافية وإمكانية الرجوع إلى ما جرى في الجلسات.
توازن وكفاءة
موضحاً أن المحكمة لا تنظر إلى توقيت الطلب فقط، وإنما تدرس أثره في القضية وحقوق الطرف الآخر ومدى ارتباط الشاهد بالحقيقة التي تسعى المحكمة إلى الوصول إليها.
ولا تقتصر هذه القضايا على النزاعات المالية والتجارية المعقدة، بل تمتد أحياناً إلى تفاصيل تبدو للوهلة الأولى بعيدة عن طبيعة المحاكم المالية، ومن ذلك قضية امرأة استخدمت شعراً مستعاراً في صالون نسائي داخل أحد المنشآت العاملة في مركز دبي المالي العالمي، ثم تقدمت بشكوى بشأن أضرار لحقت بها نتيجة المواد المستخدمة في تصنيعه، وعندما توجهت لرفع قضية للمحاكم في خارج المركز تم توجيهها إلى محاكم مركز دبي المالي العالمي باعتبار أن الواقعة حدثت داخل منطقة اختصاصها.
عقود ومسؤوليات
مشيراً إلى تخصيص قاض للفصل في القضايا التي تتعلق بالعملات ضمن المنظومة، مشيراً إلى أنه تم النظر مؤخراً في ثلاث قضايا من هذا النوع، بما يؤكد أن العملات والأصول الرقمية أصبحت واقعاً اقتصادياً يفرض على القضاء فهماً قانونياً وفنياً متقدماً.
كما أكد في هذا السياق أهمية الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في العمل القضائي، خصوصاً مع ضخامة المعلومات التي تتضمنها بعض القضايا التجارية.
مشيراً إلى أنه تعامل مؤخراً مع قضية تتكون من 75 ألف مستند لذلك تم الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في البحث داخل هذا الكم الهائل من الوثائق، والوصول إلى المعلومات المطلوبة وربط المستندات ذات الصلة وتلخيص البيانات، بما يختصر وقتاً وجهداً كبيرين ويرفع كفاءة التعامل مع الملفات القضائية المعقدة.
خبرة قانونية
مشيراً إلى أن تمكين المحامين المواطنين من التعامل مع هذا النوع من القضايا يمثل جزءاً من بناء الخبرة القانونية الوطنية القادرة على مواكبة الاقتصاد العالمي.