«أنقذت مانشستر».. كيف قادت استثمارات «السيتي» نهضة المدينة العريقة؟
من المستطيل الأخضر إلى قلب الاقتصاد والعمران، حولت الاستثمارات الإماراتية في مانشستر سيتي النادي إلى قوة رياضية عالمية، والمدينة العريقة إلى تحفة حضرية بملامح حديثة ومستقبل مشرق.
ففي شرق المدينة، حيث عانت أحياء لعقود من تراجع الصناعة وارتفاع البطالة وضعف الاستثمارات، أسهمت الأموال التي ضُخت حول ملعب الاتحاد في إطلاق مشروعات سكنية وتجارية ورياضية وترفيهية، عززت جاذبية المنطقة ودفعت عجلة التجديد الحضري.
وسلط تقرير نشرته وكالة الصحافة الفرنسية "AFP"، الضوء على تجربة الاستثمار الإماراتي في مانشستر سيتي، وكيف يمكن لرأس المال طويل الأجل، عندما يقترن برؤية استثمارية واسعة، أن يحوّل نادياً لكرة القدم إلى منصة للتنمية الاقتصادية، ويمنح مدينة عريقة فرصاً جديدة للنمو والتنافسية الدولية.
تحول مذهل.. المدينة بعيون من شهدوا نهضتها
يقف سايليش باريخ خلف منضدة متجره لبيع الأسماك والبطاطا المقلية بالقرب من ملعب "الاتحاد"، ويقول إن التحول الذي شهدته منطقة شرق مانشستر على مدى العقدين الماضيين كان مذهلاً.
وصرح قائلا: "لم يكن نادي مانشستر سيتي مجرد نادٍ لكرة القدم بالنسبة للمنطقة، بل كان بمثابة مُنقذ".
وأشار إلى أنه قبل انتقال النادي إلى هذه المنطقة، كانت تعاني من "حرمان شديد" ومعدلات بطالة مرتفعة.
ومنذ الاستحواذ الإماراتي على النادي عام 2008، تحولت الأحياء التي عانت طويلاً من الإهمال، والواقعة بين الملعب ووسط المدينة، إلى رموز لنهضة هذه المدينة الشمالية.
نهاية عقود من التدهور
وقد تم عكس مسار عقود من التدهور المرتبط بتراجع النشاط الصناعي.
ففي أحياء مثل "أنكوتس" و"نيو إيسلينغتون"، لا تزال مستودعات الطوب الأحمر قائمة لتذكّر الناس بماضي مانشستر الصناعي.
لكن العديد من المصانع ومعامل النسيج المهجورة أفسحت المجال لمجمعات سكنية ومقاهٍ عصرية ومساحات عمل مشتركة.
ويروي مهندس البرمجيات سايمون مارتن، 44 عاماً، المقيم في حي "أنكوتس"، كيف أخبره سائق سيارة أجرة بأنه كان سيتردد في السابق في نقله إلى تلك المنطقة حين كانت تعج بالجرائم.
واليوم، يشيد مارتن بـ"المجتمع الرائع" وبـ"تزايد أعداد العائلات الشابة التي تنتقل للسكن هناك".
الاستثمار الإماراتي.. أفضل صفقة
يعكس هذا التحول تأثير نادي مانشستر سيتي ومالكه، مجموعة "أبوظبي المتحدة للتنمية والاستثمار". إذ لم يكتفِ المستثمرون الإماراتيون بتحويل "سيتي" إلى أحد الأندية المهيمنة على كرة القدم في أوروبا فحسب. بل ضخوا أيضاً أموالاً طائلة في مجال التطوير العقاري، حيث شيدوا منازل ومساحات تجارية على أراضٍ مملوكة للمجلس البلدي بموجب عقود إيجار ذات شروط ميسرة.
ويقول المجلس البلدي إنه أبرم "أفضل صفقة ممكنة إجمالاً" في وقت كانت فيه الاستثمارات شحيحة عقب الأزمة المالية العالمية التي ضربت العالم بين عامي 2007 و2008.
ووفقاً للمجلس، أثمرت هذه الشراكة توفير نحو 1500 وحدة سكنية وما يقرب من 2800 متر مربع (30,100 قدم مربع) من المساحات التجارية.
كرة القدم.. علامة تناطح برج إيفل
ويقول سوبرامانيام كريشنان-هاريهارا، رئيس قسم الأبحاث في غرفة تجارة مانشستر الكبرى، إن كرة القدم تُعد إحدى الركائز المميزة للمدينة، نظراً لما يتمتع به كل من "مانشستر سيتي" ومنافسه "مانشستر يونايتد" من جاذبية دولية هائلة.
وصرح لوكالة فرانس برس قائلاً: "هذا هو برج إيفل الخاص بنا، أعتقد أنه لولا كرة القدم، لما وصلت قيمة العلامة التجارية إلى هذا المستوى الكبير".
ووفقاً لشركة الاستشارات "EY"، تدر الأنشطة المرتبطة بالدوري الإنجليزي الممتاز إيرادات سنوية تبلغ نحو 1.6 مليار جنيه استرليني (2.1 مليار دولار) في منطقة مانشستر الكبرى.
كما تستقطب المدينة نحو 1.7 مليون زائر من الخارج سنوياً.
وأشار كريشنان، هاريهارا إلى أن نادي مانشستر سيتي كان بمثابة "محفز" لمشاريع البنية التحتية، بما في ذلك توسيع شبكة الترام.
تجاوز مرحلة التقشف
ويقول مسؤولو النادي إنه تم استثمار أكثر من 700 مليون جنيه استرليني منذ عام 2008 في مجمع "الاتحاد" والمناطق المحيطة به، حيث أُنشئت مرافق رياضية، وكلية للمرحلة الثانوية المتقدمة، ومضمار لسباق الدراجات، ومشاريع تجارية للبيع بالتجزئة، وقاعة الحفلات الموسيقية "كو-أوب أرينا" .
وأشارت جورجينا بليكلي، الأستاذة في جامعة هدرسفيلد، إلى أن المستثمرين من أبوظبي لعبوا دوراً "رئيسياً"، مسلطةً الضوء في الوقت ذاته على تداعيات الأزمة المالية التي وقعت بين عامي 2007 و2008.
وقالت: "لقد شهدنا توقفاً فعلياً لتدفق الاستثمارات في مشاريع التجديد الحضري... كما أن إجراءات التقشف أثرت بشدة وبشكل خاص على مدن مثل مانشستر".
أصبح مشروع "مانشستر لايف" جزءاً مما يُعرف بـ"نموذج مانشستر"، وهي استراتيجية للتنمية الحضرية تبناها المجلس المحلي في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وحظيت بدعم آندي بيرنهام، عمدة مانشستر الكبرى (في الفترة من 2017 إلى 2026) الذي يشغل حالياً منصب رئيس وزراء المملكة المتحدة.
وكان بيرنهام قد أكد مؤخرا أنه سيكون "قلقاً للغاية" في حال قرر الملاك الإماراتيون الانسحاب بسبب اتهامات مالية غير مثبتة تلاحق النادي.