كيف سيتغير الاستثمار عندما تبدأ أنظمة الذكاء الاصطناعي باتخاذ القرارات وتنفيذ المهام؟ وماذا سيطلب مستهلك عام 2035؟ وما الذي يدفع المستثمر إلى اختيار سوق ما، ثم البقاء فيها والتوسع منها؟
تلتقي هذه الأسئلة عند قضية باتت تحدد قدرة الاقتصادات على المنافسة: كيف توسّع خياراتها للمستقبل في عالم تتغير فيه التكنولوجيا وحركة رأس المال والتجارة وسلوك المستهلك في وقت واحد؟ ومن هذا المنطلق، يطرح "منتدى الشارقة للاستثمار 2026" شعار "بناء اقتصادات مرنة"، بحثاً في كيفية بناء اقتصادات تمتلك خيارات أوسع للنمو والاستثمار والتوسع.
وتجمع الدورة التاسعة من المنتدى أكثر من 10 آلاف مشارك من أكثر من 60 دولة، ضمن برنامج يضم أكثر من 140 فعالية وأكثر من 80 اجتماع أعمال مباشر، وتتوزع فعالياته على أربعة محاور استراتيجية: القيادة الاستراتيجية والمرونة الاقتصادية؛ والتكنولوجيا والحلول الذكية للصناعات؛ وتدفقات رأس المال الذكي ومرونة سلاسل الإمداد؛ ومستقبل المجتمعات والنمو الاقتصادي.
ماذا يحدث عندما ينتقل الذكاء الاصطناعي من تقديم الإجابة إلى تنفيذ القرار؟
دخل الذكاء الاصطناعي مرحلة جديدة؛ فأنظمة "الذكاء الاصطناعي الوكيل" أصبحت قادرة على التخطيط، وتقسيم الأهداف إلى مهام، واتخاذ سلسلة من القرارات وتنفيذها بدرجات متفاوتة من الاستقلالية.
يكشف استطلاع "حالة الذكاء الاصطناعي 2026" الصادر عن "ماكينزي" حجم هذا التحول؛ حيث ارتفعت نسبة المؤسسات التي تفوق إيراداتها السنوية مليار دولار، وتوسّع استخدام وكلاء الذكاء الاصطناعي في وظيفة أعمال واحدة على الأقل من 27% إلى 40% خلال عام واحد.
ومع انتقال التقنية من التجريب إلى التشغيل، يتغير السؤال أمام المستثمرين والشركات والحكومات، ليصبح: ما نطاق القرارات التي يمكن تفويضها إلى الأنظمة الذكية؟ وكيف تُضمن جودة البيانات، وتُحدد المسؤولية، وتُبنى مستويات مناسبة من الرقابة البشرية؟ وهي أسئلة يطرحها المنتدى في نقاشه حول الحوكمة التي يحتاجها هذا الانتقال.
ماذا سيشتري مستهلك 2035؟
كل استثمار يبدأ من توقع الطلب، ولذلك يتحول استشراف ميول المستهلك بعد عشر سنوات إلى سؤال اقتصادي مباشر: ما المنتجات التي ستنمو؟ وما الخدمات التي ستتغير؟ ويدخل إلى هذه المعادلة جيل نشأ في بيئة رقمية، وذكاء اصطناعي يتوقع احتياجات المستخدم، وتجارب شراء شديدة التخصيص، إلى جانب تغيرات سكانية متسارعة واهتمام متزايد بالقيمة والاستدامة والتجربة.
ويفتح المنتدى هذا النقاش من زاوية استثمارية: كيف تكتشف الشركات الطلب قبل أن يتحول إلى سوق ضخمة؟ وكيف يميز المستثمر بين اتجاه عابر وتحول طويل الأجل؟ فالقدرة على قراءة المستهلك المقبل ستحدد، في قطاعات كثيرة، أين تُوجَّه الأموال اليوم.
إلى أين يتجه رأس المال عندما يصبح أكثر انتقائية؟
رأس المال العالمي لم يتوقف عن الحركة، إلا أن خريطته أصبحت أكثر تركيزاً. فوفق تقرير الاستثمار العالمي 2026 الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "الأونكتاد"، ارتفع الاستثمار الأجنبي المباشر عالمياً 6% إلى 1.6 تريليون دولار في 2025، واستقطبت أكبر 20 دولة مضيفة أكثر من 80% من هذه التدفقات. كما ارتفعت حصة القطاعات الاستراتيجية، ومنها البنية التحتية للذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والمعادن الحرجة، (المرتبط باستكشاف واستخراج ومعالجة العناصر المعدنية الضرورية للتقنيات الحديثة) وتقنيات تحول الطاقة، من 16% من قيمة مشاريع الاستثمار الجديدة عالمياً في 2020 إلى 44% في 2025.
وبذلك يتطلب جذب رأس المال اليوم منظومة متكاملة من البنية التحتية والتشريعات والمهارات والوصول إلى الأسواق. وتكتسب هذه المناقشة بعداً مباشر في الشارقة، التي استقطبت خلال 2025 نحو 7.74 مليارات درهم من الاستثمار الأجنبي المباشر عبر 142 مشروعاً، بزيادة 45% في عدد المشاريع، وأسهمت تلك المشاريع في توفير 5,673 وظيفة جديدة.
كيف تبقى سلاسل الإمداد قادرة على العمل عندما تتغير الطرق؟
تحولت سلاسل الإمداد من قضية تشغيلية تخص شركات النقل والمصانع إلى إحدى محددات القرار الاستثماري. فالشركة التي تختار موقع مصنع جديد أو مركز توزيع أو ميناء للتصدير تقيس، إلى جانب الكلفة، عدد البدائل المتاحة إذا تعطلت أحد الطرق، ومدى اتصالها بأسواق متعددة.
ولهذا يناقش المنتدى دور الموانئ وشبكات النقل والخدمات اللوجستية وتنويع الشركاء التجاريين في بناء اقتصاد يمتلك أكثر من طريق وأكثر من سوق، وهنا تتضح إحدى أهم دلالات مفهوم المرونة الاقتصادية: قوة الاقتصاد ترتبط بقدرته على إبقاء الخيارات مفتوحة أمام الشركات والمستثمرين.
لماذا يبقى المستثمر بعد أن يدخل السوق؟
النجاح في استقطاب الاستثمار يحقق الخطوة الأولى، والقيمة الاقتصادية الأكبر تبدأ عندما تختار الشركة أن تتوسع، وتضيف خطوط إنتاج جديدة، وتوظف مزيداً من الكفاءات، وتربط نفسها بموردين محليين، ثم تعيد استثمار جزء من أرباحها داخل السوق.
وتبحث جلسة "ما بعد سهولة ممارسة الأعمال: بناء اقتصادات تنمو فيها الشركات" رحلة المستثمر بعد دخوله السوق، من الخدمات والتراخيص الرقمية إلى توفر البيانات والمواهب والتمويل وسلاسل الموردين، فالسوق الأكثر تنافسية هي السوق التي يستطيع المستثمر أن يرى فيها مرحلة النمو التالية لأعماله.
هل تستطيع محادثة أن تتحول إلى استثمار؟
في نسخة 2025 من مبادرة "الصفقة" "Seal the Deal"، عرضت تسع شركات ناشئة مشاريعها أمام مجموعة من المستثمرين وقادة الأعمال، ونجحت في استقطاب تعهدات استثمارية تفوق أربعة ملايين درهم. ولهذا يخصص المنتدى مساحة واسعة للقاءات المباشرة واجتماعات الأعمال، ليصبح الحوار الاقتصادي مدخلاً عملياً لبناء شراكات وصفقات ومشاريع جديدة.
من قراءة التحولات إلى صناعة الخيارات
تكشف الأسئلة الستة أن مستقبل الاستثمار لن تحدده ظاهرة واحدة. ومن هنا تأتي أهمية "منتدى الشارقة للاستثمار 2026" في جمع هذه التحولات ضمن صورة واحدة، وربط النقاش حول المستقبل بالقرارات التي يتخذها المستثمرون والشركات اليوم. فالمرونة الاقتصادية التي يطرحها المنتدى تنطلق من القدرة على بناء خيارات متعددة: أسواق أكثر تنوعاً، وبنية تحتية أكثر اتصالاً، وقطاعات جديدة للنمو، ومواهب وتقنيات ترفع القدرة على التكيف والإنتاج.
October 03, 2026 / 12:24 PM